وإذا صحت التوبة النصوح وتزكت النفس انجلت مرآة القلب وبان قبح الدنيا فيها، فيحصل الزهد، والزاهد يتحقق فيه التوكل لأنه لا يزهد في الموجود إلا لاعتماد على الموعود، والسكون إلى وعد الله تعالى هو عين التوكل، وكلما بقي على العبد بقية في تحقق المقامات كلها بعد توبته يستدركه: يزهده في الدنيا، وهو ثالث الأربعة.
وقيل في قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} (الكهف: الآية 7) قيل: الزهد في الدنيا.
سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الزهد؟ فقال: هو أن لا تبالي بمن أكل الدنيا مؤمن أو كافر.
وسئل الشبلي عن الزهد فقال: ويلكم أي مقدار لجناح بعوضة أن يزهد فيها؟.
وقال أبو بكر الواسطي: إلى متى تصول بترك كنيف، وإلى متى تصول بإعراضك عما لا تزن عند الله جناح بعوضة؟.
فإذا صح زهد العبد صح توكله أيضاً؛ لأن صدق توكله مكنه من زهده في الموجود؛ فمن استقام في التوبة وزهد في الدنيا وحقق هذين المقامين استوفى سائر المقامات وتكوّن فيها وتحقق بها.
وترتيب التوبة مع المراقبة وارتباط إحداهما بالأخرى: أن يتوب العبد، ثم يستقيم في التوبة حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال شيئاً، ثم يرتقي من تطهير الجوارح عن المعاصي إلى تطهير الجوارح عما لا يعني فلا يسمح بكلمة فضول ولا حركة فضول، ثم ينتقل للرعاية والمحاسبة من الظاهر إلى الباطن وتستولي المراقبة على الباطن: وهو التحقق بعلم القيام بمحو خواطر المعصية عن باطنه ثم خواطر الفضول؛ فإذا تمكن من رعاية الخطرات عصم عن مخالفة الأركان والجوارح وتستقيم توبته. قال الله تعالى لنبيه: {فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} (هود: الآية 112) أمره الله تعالى بالاستقامة في التوبة أمراً له ولأتباعه وأمته.