ويقال له: ما أنكرت أن يرد المغصوب إنما يحتاج إليه لفسخ الجناية القائمة في الحال وفي الحيلولة بين المالك ولملكه بغياً وعدواً فهو من المغاصب بمنزل الإسلام من المرتد.
ومعلوم أن المرتد إنما يكون تائباً إذا ندم على ردته فأسلم وعزم على أن لا يعود، وإن إسلامه توبته.
ولا يصح أن يقال إن ندمه هو التوبة.
والإسلام يحتاج إليه ليصير سبباً لإسلامه.
كذلك رد المغصوب هو التوبة والندم يحتاج إليه ليصير سبباً لرد المال إلى مالكه والله أعلم.
واحتج هذا الزاعم لقوله.
بأن التوبة قد تصح عن كثير من الذنوب التي ليس يحتاج فيها إلى رد شيء، فعلمنا أن التوبة هي الندم والعزم على ترك العود.
فيقال: قد أنبأنا الله - عز وجل - أن التوبة من الشرك هو الإسلام فإنه - عز وجل - قال: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} فمعلوم أن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة لا تكون إلا بعد الإسلام.
فصح أن معنى قوله {فَإِن تَابُواْ} أي فإن أسلموا.
وقال {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} .
والانتهاء عن الكفر لا يقع بالندم عليه وإنما يقع بالإسلام.
فصح أن توبة الكافر إسلامه ثم لم يجز أن يقال إن إسلامه ليس من صلب توبته، لأن كثيراً من الذنوب يتاب منها من غير أن يحتاج في التوبة منها إلى عقد الإسلام، فما أنكرت أن كثيراً من الذنوب وإن كان يتاب منها من غير أن يحتاج فيها إلى دفع مال فذلك لا يدل على أن التوبة إذا كانت من الغصب لم يكن رد المال من أصل التوبة والله أعلم.
ويقال له: أرأيت الواحد إذا هم بغصب مال رجل فغصبه، أهو مذنب بهمه أو لغصبه أو بهما؟ فإن قال: بهما؟
قيل: فما أنكرت أنه إذا ندم وهم بالرد، فرد كان بإتيانهما كما كان في الابتداء مذنباً بهما، ولو وجب أن يكون تائباً بالندم، فالرد جميعاً، لأن من الناس من تصح توبته من غير أن يكون معها رد مال، لوجب أن لا يكون الابتداء مذنباً بما لهم والأخذ جميعاً.