لأن من المذنبين من يكون منه الذنب، ويكتب عليه من غير أن يكون منه أخذ المال، وإذا لم يحدث عن هذا أن لا يكون الأخذ من صلب ذنبه إذا وقع منه الأخذ بغير حق لم يجب عما ذكرت أن لا يكون الرد من صلب توبته إذا رد على المالك ماله الذي أخذه منه.
فإن قال: لو كان الرد من التوبة لوجب إذا عجز عن الرد أن لا تصح توبته.
قيل: ما الفصل بينك وبين من قال.
لو كان الرد محتاجاً إليه لتحقيق الندم لوجب أن لا يصح ندم العاجز عن الرد، لأنه لا يمكنه تحقيق ندمه للرد.
فإن قال: أن الندم يتحقق من غير رد إذا كان هناك عجز عنه، وإنما لا يتحقق إذا كان الرد متمكناً.
فأما إذا لم يمكن وصار معجوزاً عنه، فالندم وحده توبة.
ويقال له: ما أنكرت أن الندم إذا قارن سقوط فرض الرد عنه.
كان توبة.
فإن كان المال في يد الغاصب فندمه مع الرد توبة لأنه إذا رد سقط الفرض.
وإن كان المال واهياً والغاصب معدماً فندمه مع الرد توبة، لأنه إذا رد يقارن سقوط فرض الرد عنه فلذلك صحت توبته لا كما ظننت.
مسألة: وزعم أن التائب ينبغي أن يكون ممكناً من فعل ما يتوب منه، وإن كان عاجزاً عنه فليس ذلك توبة.
فيقال له: قال النبي - صلى الله عليه وسلّم - .
«الندم توبة» .
والندم يصح من العاجز عما أحدثه في حال القدرة، فلم لا قلت: أن توبته صحيحة.
ويقال له: إن هذا المذهب يناقض مذهبك في المسألة الأولى لأنك إن عممت أن الندم هو التوبة، ورد المال محتاج إليه لتحقيق الندم لا لأنه بنفسه من التوبة، والذي يليق بها أن من عجز عن الغضب فأمكن أن يتحقق منه الندم على ما مضى، فإنه إذا ندم كان ندمه توبة.
فإن قال: إن العاجز لا يصح منه العزم على ترك العود.
قيل: إن كان لا يصح منه العزم على ترك العود فهو غير محتاج إلى هذا العزم لأن هذا العزم محتاج إليه لئلا يكون منه الفعل، فإذا وقع العجز عن الفعل فقد استغنى عن العزم، وكان الندم وحده التوبة.
فإن قال: ينبغي أن يكون عنده الفعل منه لتركه إياه مختاراً فيكون بذلك معتداً.
قيل له: أرأيت إن كان قادراً على الفعل فندم على سلف منه وعزم على أن يعود، إلا أنه حدث له العجز متمكناً، أيكون عدم الفعل منه طاعة، أو يتبين بحدوث العجز في الحال إن عزمه على ترك العود كان باطلاً.
فإن قال: أيكون طاعة لأنه عزم على ترك العود وهو قادر، فصح العزم وكان ما حدث من العجز بعده غير معتد به.