ذكر الخلاف في ما ذكرنا:
زعم زاعم أن من غصب مالاً من مسلم ثم بدا له أن يتوب، والمال قائم في يده، عليه أن يرد المال المغصوب إلى ماله، ولكن نفس الرد ليس بتوبة، إنما التوبة الندم والعزم على ترك العود، غير أنه إذا كان متمسكاً بالمال دل به، على أنه ليس بنادم، فاحتاج إلى الرد ليصح ندمه وعزمه على ترك العود، لأن نفس الرد من التوبة، فيقال له.
ما الفضل بينك وبين من قال لك.
أن التوبة هي رد المغصوب إلى مالكه؟ ولكنه يحتاج مع ذلك إلى الندم والعزم على ترك العود لتصير سبباً لرد المال إلى صاحبه.
فإن الندم إذا لم يقع، والعزم على ترك العود في المستقبل صار سبباً للرد، فالرد هو التوبة.
والحاجة إلى هذين لتيسير الرد لا أنهما توبة.
وإذا كان القولان يقعان موقعاً واحداً ولم يكن إلى طرحهما والخروج منها سبيل، وكان الجمع بينهما ممكناً.
وجب الجمع، وأن يقال كل ذلك توبة.
يقال له: زعمت أن الندم هو التوبة، وإن رد المال إذا لم يقع لم تصدق التوبة ولم تتحقق، فاحتيج إلى رد المال لتحقيق الندم لأن الرد نفسه من التوبة، وليس هذا كما قلت لأنه قد يندم على غصب المال، ويصر مع ذلك على حبسه لئلا يستضعف، أو لئلا يطمع واحداً آخر في استرجاع ماله منه.
ومن الموجود في العادات أن يقول القائل: ما كان ينبغي لي مفارقة بلدي وإتيان هذا البلد، وإذ قد أتيت فليس إلا الصبر.
ويقول: ما كان فلان أهلاً لما أعطيته، وما كان ينبغي لي أن أعطيه.
وإذا قد كان من ذلك فليس إلا الإحتمال والتجاوز.
وقد يقول: الجيش إذا لاقى العدو، وما كان ينبغي لنا أن نخاطر ونلقي العدو في هذه العدة اليسيرة.
وإذ قد فعلنا فلا وجه للفرار وليس إلا الثبات.
وقد يقول الأبق.
ما كان ينبغي لي أن أفارق سيدي وإذ قد فعلت فلا وجه للرجوع إليه وليس إلا البعد منه.
فإذا كان هذا وأمثاله من عاقبة الناس وقولهم.
فلم قلت: أن الرد ما لم يقع من الغاصب والندم غير حادث.
وما أنكرت من الإصرار قد يجامع الندم كما جامعه فيما ذكرناه وعارضناك به.
وما أنكرت أن الندم إنما يقع على ابتداء الجناية ولا سبيل إلى تدارك الابتداء، وإنما يقع قطع دوامها، وصار الذي يرفع بالندم غير ما وقع إليه الندم.
وإذا كان غيره أمكن أن يقاربه فبطل، فذلك أن رد المغصوب يحتاج إليه لتحقيق الندم وليس بنفسه توبة.
وثبت أن الندم قد يتحقق من غير رد المغصوب.