واستقصى من ظلم نفسه، وهو يمكنه لقاء النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، والإستظهار بدعوته فلا يحبه، فيتوب عنده ويسأله الاستغفار له وذلك من الوجوه التي ذكرنا وهو أن في الفزع إلى النبي - صلى الله عليه وسلّم - فضل الرهبة من الله، والإشفاق من الذنب وكلما كان المستغفر أخوف من الله تعالى كان أخلق أن يغفر ذنبه وتجاب دعوته والله أعلم.
وإن أساء رجل إلى رجل بأن نزعه بغير حق، أو غمة أو لطمة أو صفعة بغير حق أو ضربه بسوطه فآلمه ثم جاءه مستعفياً نادماً على ما كان منه عازماً على أن لا يعود، فلم يزل يتذلل له حتى طابت نفسه، فعفا عنه سقط الذنب عنه.
وهكذا إن كان شأنه بشتم لا حد فيه.
وإذا صارت إلى الرجل أموال الناس بظلم وهو لا يعرف أصحابها، فإن لم يخلطها بماله فلا يحل له أن ينتفع بها، وإن كان يرجو أن يعرف أصحابها فيردها عليهم فله أن يمسكها لأجلهم، وعليه أن يسأل عنهم، ويأتي في ذلك ما يقدر عليه.
وإن دفعها إلى الإمام جاز وقبل تصرفها في وجوه البر، فيكون ثوابها لأهلها.
وأما إذا خلطها بماله فإنه إن كان مثل ماله ولم يتهيأ تمييزه عنه فله ماله ولأصحاب الأموال أموالهم وهم شركاؤه فيه وهو شريكهم، ولا يحل له أن يتصرف في جميعه.
وتصرفه في قدر ماله من الجميع جاز.
وإن سأل الإمام أن يقاسمه عنهم فيأخذ نصيبه ثم يتصرف فيه، فذلك أولى وأحوط والله أعلم.
ثم يعمل بأموال غيره ما ذكرت في الفصل الذي قيل هذا، والكلام بعد هذا في أعيان مسائل الجنايات والغصوب.
وأنواع التعدي فصل في هذا الباب، لأن الغرض بيان حكم التوبة لإتيان الجناية.
وعلم الجنايات موجود في كتب الأحكام فكل ما يثبت له حكم الخيانة بالتوبة منه، لا يصح إلا بالتعقبة على أثره إن كانت ممكنة، وما لم يكن فسخه واتباعه بصده فمجرد الندم عليه والعزم على ترك العود عليه توبة منه.
هذا جملة القول في الباب.
وإن كانت على واحد ذنوب كثيرة من أجناس مختلفة، وتاب من أحدها صحت توبته منه، ولا يمنع إصداره على غيره من الاعتداد بتوبته منه والله أعلم.
وإذا تاب العبد فليس بواجب على الله - عز وجل - أن يقبل توبته ولكنه لما أخبر عن نفسه إنه يقبل التوبة عن عباده ولم يجز أن يخلف وعده، علمنا أنه لا يرد التوبة الصحيحة على صاحبها ولو لم يكن أخبر عن نفسه بما قلنا لم يستحل أن يرد التوبة فلا يقبلها.
فقبوله إذاً لها فضل وليس شيء من الأشياء بواجب عليه، وبالله التوفيق.