وَإِضَاعَتُهُ بِالْغُلُوِّ: كَالْوَسْوَسَةِ فِي عَقْدِ النِّيَّةِ. وَرَفَعِ الصَّوْتِ بِهَا. وَالْجَهْرِ بِالْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ الَّتِي شُرِعَتْ سِرًّا. وَتَطْوِيلِ مَا السُّنَّةُ تَخْفِيفُهُ وَحَذْفُهُ. كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالسَّلَامِ الَّذِي حَذْفُهُ سُنَّةٌ. وَزِيَادَةِ التَّطْوِيلِ عَلَى مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عَلَى مَا يَظُنُّهُ سُرَّاقُ الصَّلَاةِ وَالنَّقَّارُونَ لَهَا وَيَشْتَهُونَهُ. فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَ بِأَمْرٍ وَيُخَالِفَهُ. وَقَدْ صَانَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ. وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالتَّخْفِيفِ وَيَؤُمُّهُمْ بِالصَّافَّاتِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالتَّخْفِيفِ وَتُقَامُ صَلَاةُ الظُّهْرِ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ. وَيَأْتِي أَهْلَهُ وَيَتَوَضَّأُ. وَيُدْرِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى. فَهَذَا هُوَ التَّخْفِيفُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ. لَا نَقْرَ الصَّلَاةِ وَسَرْقَهَا. فَإِنَّ ذَلِكَ اخْتِصَارٌ، بَلِ اقْتِصَارٌ عَلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ. وَيُسَمَّى بِهِ مُصَلِّيًا، وَهُوَ كَأَكْلِ الْمُضْطَرِّ فِي الْمَخْمَصَةِ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ: فَلَيْتَهُ شِبَعَ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَهُوَ كَجَائِعٍ قُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ لَذِيذٌ جِدًّا. فَأَكَلَ مِنْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ. فَمَاذَا يُغْنِيَانِ عَنْهُ؟ وَلَكِنْ لَوْ أَحَسَّ بِجُوعِهِ لَمَا قَامَ مِنَ الطَّعَامِ حَتَّى يَشْبَعَ مِنْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. لَكِنَّ الْقَلْبَ شَبْعَانُ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ.
وَمِثَالُ هَذَا التَّوَسُّطُ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ: أَنْ لَا يَغْلُوَ فِيهِمْ، كَمَا غَلَتِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ، وَلَا يَجْفُوَ عَنْهُمْ، كَمَا جَفَتِ الْيَهُودُ. فَالنَّصَارَى عَبَدُوهُمْ. وَالْيَهُودُ قَتَلُوهُمْ وَكَذَّبُوهُمْ. وَالْأُمَّةُ الْوَسَطُ: آمَنُوا بِهِمْ، وَعَزَّرُوهُمْ وَنَصَرُوهُمْ، وَاتَّبَعُوا مَا جَاءُوا بِهِ.