والمراد من تعليم القرآن: تعليم ألفاظه ومعانيه على وجه يعتد به، وقد يصل العلم بمعانيه إلى العلم بالحوادث الكونية من إشاراته ورموزه، فإنه - تعالى - لم يغفل شيئًا فيه، أخرج أبو الشيخ في كتاب (العظمة) عن أبي هريرة مرفوعًا"إن الله لو أغفل شيئًا لأغفل الذرَّة والخردلة والبعوضة".
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم: عن ابن مسعود: أنزل الله في هذا القرآن علم كل شيءٍ، ولكنَّ علمنا يقصر عما بين لنا فيه.
وقال أبو العباس المرسى: جَمَعَ القرآن علوم الأولين والآخرين، بحيث لم يحط به علمًا إلا المتكلم به، ثم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلا ما استأثر الله به - سبحانه -.
وقال ابن عباس: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله - تعالى -.
وقال الفخر الرازى: المراد بتعليم القرآن جعل الشخص بحيث يعلم القرآن. فهذه الآية كقوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} .
والنعمة التالية لتعليم القرآن أنه تعالى {خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} وقدم تعليم القرآن على خلق الإنسان وتعليمه البيان، للإِشارة إلى أنه أفضل النعم، وأنه يبين الغاية من خلق
الإنسان - وهي عبادة الله - قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} .
والمراد من الإنسان: الحنس، وبخلقه: إنشاوه على ما هو عليه من القُوى الظاهرة والباطنة، والمراد من تعليمه البيان: تمكين الإنسان من التعبير عما في نفسه وفهم بيان غيره، وهو الذي يدور عليه تعليم القرآن، وقيل تعليمه البيان: تعليمه التكلم بلغات مختلفة. وقيل المراد بالإنسان: آدم، وبتعليمه البيان تعليمه الأسماء كلها، أو علم الدنيا والآخرة، والنعمة الثالثة جاءت في قوله - تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} أي: الشمس والقمر يجريان بحساب دقيق في مداريهما وبروجهما ومنازلهما، فتختلف بذلك الفصول والأوقات، وتُعلَم السنون، والشهور، والأيام، والليالى، وتنتظم بذلك أمور أهل الأرض.
ويرى علماءُ الفلك أن القمر يدور حول الأرض، وأن الأرض تدور حول الشمس، وأن الشمس تدور حول شيءٍ لم يعلم حتى الآن.