وقوله: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ} وأصول {نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} ؛ أي: منقلع من الأرض. حال من الناس؛ أي: تنزع الناس حال كونهم شبيهين بأصول نخل منقلع من مغارسه. قل: شبهوا بأعجاز النخل، وهو أصولها بلا فروع؛ لأن الريح كانت تقلع رؤوسهم، فتبقى أجسادًا وجثثًا بلا رؤوس. وقال بعضهم: كانت الريح تقلعهم، وتصرعهم على رؤوسهم. فتدق رقابهم، فيبين الرأس من الجسد. وفيه إشارة إلى قوتهم وثباتهم في الأرض. فكأنهم بحسب قوتهم وجسامتهم يجعلون أرجلهم غائرة نافذة في الأرض، ويقصدون به المقاومة على الريح، ثم إن الريح لما صرعتهم فكأنها قلعت أعجاز نخل منقعر. وقال أبو الليث: صرعتهم، وكبتهم على وجوههم كأنهم أصول نخل منقلعة من الأرض. فشبههم لطولهم بالنخل الساقطة, وقرأ أبو نهيك {أعْجُزُ} على وزن أفعل، نحو: ضبع وأضبع، ذكره أبو حيان. قال مقاتل: كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعًا, وقال في رواية الكلبيّ: كان طول كل واحد منهم سبعين ذراعًا. فاستهزؤوا حين ذكر لهم الريح، فخرجوا إلى الفضاء، وضربوا بأرجلهم الأرض، وغيبوها فيها إلى قريب من الركبة، فقالوا قالًا للريح حتى ترفعنا فجاءت الريح، فدخلت تحت الأرض، وجعلت ترفع كل اثنين، وتضرب أحدهما بالآخر بعدما رفعتهما في الهواء، ثم تلقيهما في الأرض، والباقون ينظرون إليهما، حتى رفعتهم كلهم، ثم رمت بالرمل والتراب عليهم. وكان يسمع أنينهم من تحت التراب كذا وكذا يومًا.
فائدة: ذكَّر وصف النخل هنا، حيث قال {أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} ، وأنثه في الحاقة، حيث قال: {أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} رعاية للفواصل في الموضعين. وجاز فيه الأمران؛ لأنّه نظر إلى لفظ النخل تارةً، فذكره، وإلى معناه أخرى فأنثه. نظير قوله تعالى: {جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} ، {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} .
وفي الآية إيماء إلى أن الريح كانت تقتلع رؤوسهم، فتبقي الأجسام، ولا رؤوس لها، وإلى أنهم كانوا ذوي جثث عظام طوال كالنخل، وإلى أنهم أعملوا أرجلهم في الأرض، وقصدوا بذلك مقاومة الريح، وإلى أن الريح جعلتهم كأنهم خشب يابسة لشدة بردها.