قوله: (حتى أفاق) غاية لمحذوف أو ضمه إليه حتى أفاق، روي أنه لما أفاق قال: يا جبريل ما ظننت أن الله خلق أحداً على مثل هذه الصورة، فقال: يا محمد إنما نشرت جناحين من أجنحتي، وإن لي ستمائة جناح، سعة كل جناحٍ ما بين المشرق والمغرب، فقال صلى الله عليه وسلم: إن هذا لعظيم، فقال جبريل: وما أنا في جنب خلق الله إلا يسيراً، ولقد خلق الله إسرافيل، له ستمائة جناح، كل جناح منها قدر جميع أجنحتي، وإنه ليتضاءل أحياناً من مخافة الله تعالى، حتى يكون بقدر الوصع، أي العصفور الصغير، وهذا على كلام الجمهور، وأما على المراد به الرب سبحانه وتعالى، فمعنى الاستواء: الاستعلاء والقهر، ومعنى الدنو والتدلي: تجليه بصفة الجمال والمحبة لعبده، على حد ما قيل في ينزل ربنا كل ليلة.
قوله: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} هذا مفرع على قوله: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} ومشى المفسر على أن الضمير في {أَوْحَى} الأول عائد على الله تعالى، والمراد بالعبد جبريل، والضمير في {أَوْحَى} الثاني عائد على جبريل، وهو احتمال من ثمانية، أفادها العلامة الأجهوري وحاصلها أن يقال: الضمير في أوحى الأول، إما عائد على الله أو جبريل، والثاني كذلك، فهذه أربع، وفي كل منها إما أن يراد بالعبد جبريل أو محمد، فهذه ثمان اثنان منها فاسدان وهما أن يجعل الضمير في أوحى الأول عائداً على جبريل، ويراد بالعبد جبريل، سواء جعل الضمير في أوحى الثاني عائداً على الله أو جبريل وباقيها صحيح، والأنسب بمقام المدح أن يعود الضمير في أوحى الأول والثاني على الله، والمراد بالعبد محمد عليه الصلاة والسلام، والمعنى: أوحى الله إلى عبده محمد ما أوحاه الله إليه، من العلوم والأسرار والمعارف التي لا يحصيها إلا معطيها، بواسطة جبريل ويغير واسطته، حين فارقه عند الرفوف.