ولكنهم خَصُّوه بالنَّذْرِ؛ لما روى ابنُ عباس - رضيَ اللهُ تعالى عنهما - قال: جاءتِ امرأةٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت: يا رسولَ اللهِ! إنَّ أُمِّي ماتَتْ وعليها صَوْمُ نَذْرِ، أَفأَصومُ عنها؟ فقال:"أَرأيتِ لو كانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكانَ يُؤَدِّي ذلكَ عَنها؟"قالتْ: نعم، قَالَ:"فَصُومي عن أمِّكِ".
وجوَّزهُ الشافعيُّ في الكتابِ القديمِ مطلقًا، ولم يقيدُه بالنذرِ؛ إذ لا عِبْرَةَ بخصوصِ السببِ.
واختاره النوويُّ من المتأخرينَ.
ومنعَ النيابةَ في الصَّومِ في الكتابِ الجديدِ، لكنَّهُ يطعمُ عنه.
وهو ضعيفٌ؛ لثبوتِ السنَّةِ بخِلافِه.
وأما الصلاةُ: فذهبَ الجُمهور إلى أن الصَّلاةَ لا تجوزُ عنهُ، وحكيَ عن عَطاء بنِ
أبي رباح، وأحمدَ، وإسحاقَ: أنهم قالوا: تجوزُ الصَلاةُ عن المَيِّتِ، واختارهُ ابنُ أبي عَصرون من الشافعيةِ، ويدلُّ لهم ما رَوَينا في البُخاريِّ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ - رضيَ اللهُ تعالى عنه - أَمَرَ مَنْ ماتَتْ وعليها صَلاةٌ أَنْ يُصَلَّى عنها.
وقالَ البغويُّ من الشافعيةِ: لا يبعُدُ أن يُطْعَمَ عن كُلّ صَلاةٍ مُدٌّ من طَعام.
وهذا خَطَأٌ؛ فإنَّه لا مدخَلَ للقياسِ في هذا، والقياسُ أنه لا يَجِبُ شيءٌ من الطعام، وأنه لا مدخَلَ للطَّعام في الصَّلَواتِ بحالٍ، بخلافِ الصَوْم والحَجِّ.
وهذا في المَيّتِ.
وأما الحَيُّ فَلا ينوبُ عنه أحدٌ في شيءٍ من العِباداتِ إلَّا في الحَجِّ المفروضِ إذا كانَ معضوباً، وفي حَجّ التطوُّعِ خِلافٌ، وقد تقدَّمَ ذكرُه في"سورةِ آلِ عمران".
وبمنعِ النيابةِ في العِباداتِ البدنيَّةِ إلا ما خَصَّهُ الشرعُ أَخَذَ الشافعيُّ، ونصَّ عليهِ في"الأم"، وبهِ قَالَ المعتزلةُ، وإياها أَختارُ؛ لهذه الآيةِ.
وقالَ قومٌ من الأصوليين: تجوزُ النيابةُ في جميعِ العباداتِ، إلَّا ما خرجَ بدليلٍ، واللهُ أعلم. انتهى انتهى. {تيسير البيان لأحكام القرآن، لابن نور الدين اليمني} ...