ثم قال تعالى: {أولئك} أي أهل هذا القول {الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ} قرئ بضم الياء على بناء الفعل للمفعول وقرئ بالنون المفتوحة، وكذلك نتجاوز وكلاهما في المعنى واحد، لأن الفعل وإن كان مبنياً للمفعول فمعلوم أنه لله سبحانه وتعالى، فهو كقوله {يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] فبيّن تعالى بقوله {أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} أن من تقدم ذكره ممن يدعو بهذا الدعاء، ويسلك هذه الطريقة التي تقدم ذكرها {نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ} والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله، فإن قيل ولم قال تعالى: {أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} والله يتقبل الأحسن وما دونه؟ قلنا الجواب من وجوه الأول: المراد بالأحسن الحسن كقوله تعالى: {واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ} [الزمر: 55] كقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، أي عادلا بني مروان الثاني: أن الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب والأحسن ما يغاير ذلك، وهو وكل ما كان مندوباً واجباً.
ثم قال تعالى: {وَنَتَجَاوَزُ عَن سيئاتهم} والمعنى أنه تعالى يتقبل طاعاتهم ويتجاوز عن سيئاتهم.
ثم قال: {فِي أصحاب الجنة} قال صاحب"الكشاف"ومعنى هذا الكلام مثل قولك: أكرمني الأمير في مائتين من أصحابه، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم وضمني في عدادهم، ومحله النصب على الحال على معنى كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين منهم، وقوله {وَعْدَ الصدق} مصدر مؤكد، لأن قوله {نتقبل، نتجاوز} وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز، والمقصود بيان أنه تعالى يعامل من صفته ما قدمناه بهذا الجزاء، وذلك وعد من الله تعالى فبيّن أنه صدق ولا شك فيه. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 28 صـ 12 - 20}