وابن المنذر عن مسروق أن الشاهد هو موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام ، وقد تقدم أنه كان يدعي مكية الآية وينكر نزولها في ابن سلام ويقول: إنما كانت خصومة خاصم بها محمد صلى الله عليه وسلم ، وكأنه على هذا لا يحتاج إلى القول بأنها نزلت بخصوص شاهد ، وأيد عدم إرادة الخصوص بأن {شَاهِدٌ} في الآية نكرة والنكرة في سياق الشرط تعم ، وأنا أقول: بكون التنوين في {شَاهِدٌ} للتعظيم وبمدنية الآية ونزولها في ابن سلام ، والخطابات فيها مطلقاً لكفار مكة ، وربما يظن على بعض الروايات أنها لليهود وليس كذلك ، وهم المعنيون أيضاً بالذين كفروا في قوله تعالى:
{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ} إلى آخره ،
وهو حكاية لبعض آخر من أقاويلهم الباطلة في حق القرآن العظيم والمؤمنين به.
وفيه تحقيق لاستكبارهم أي وقال كفار مكة: {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} أي لأجلهم وفي شأنهم فاللام للتعليل كما سمعت في {قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقّ} [الأحقاف: 7] .
وقيل: هي لام المشافهة والتبليغ والتفتوا في قولهم: {لَّوْ كَانَ} أي ما جاء به صلى الله عليه وسلم من القرآن ، وقيل: الإيمان {خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} ولولاه لقالوا: سبقتمونا بالخطاب أو لما سمعوا أن جماعة آمنوا لو كان خيراً ما سبقنا إليه أولئك الذين بلغنا إيمانهم.
وتعقب بأن هذا ليس من مواطن الالتفات ، وكونهم قصدوا تحقير المؤمنين بالغيبة لا وجه له ، وكون المشافهين طائفة من المؤمنين والمخبر عنهم طائفة أخرى خلاف الظاهر ، فالأولى كونها للتعليل وقالوا ذلك لما رأوا أن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ضعفاء كعمار.
وصهيب.
وبلال.
وكانوا يزعمون أن الخير الديني يتبع الخير الدنيوي وأنه لا يتأهل للأول إلا من كان له القدح المعلى من الثاني ، ولذا قالوا: {لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] وخطؤهم في ذلك مما لا يخفى.