وكان المشركون أصنافاً ، منهم هؤلاء ، ومنهم من كان يثبت الصانع وينكر البعث ، ومنهم من كان يشك في البعث ولا يقطع بإنكاره.
وحدث في الإسلام أقوام ليس يمكنهم إنكار البعث خوفاً من المسلمين ؛ فيتأوّلون ويرون القيامة موت البدن ، ويرون الثواب والعقاب إلى خيالات تقع للأرواح بزعمهم ؛ فشرّ هؤلاء أضرّ من شر جميع الكفار ؛ لأن هؤلاء يُلبسون على الحق ، ويُغتر بتلبيسهم الظاهر.
والمشرك المجاهر بشركه يحذره المسلم.
وقيل: نموت وتحيا آثارنا ؛ فهذه حياة الذكر.
وقيل: أشاروا إلى التناسخ ؛ أي يموت الرجل فتجعل روحه في موات فتحيا به.
قوله تعالى: {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي وإذ تُقرأ على هؤلاء المشركين آياتنا المنزلة في جواز البعث لم يكن ثَمَّ دَفْعٌ {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِآبَآئِنَآ} "حُجَّتَهُمْ"خبر كان ، والاْسم"إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائتوا بِآبَائِنَا"الموتى نسألهم عن صدق ما تقولون ؛ فردّ الله عليهم بقوله: {قُلِ الله يُحْيِيكُمْ} يعني بعد كونكم نُطَفاً أمواتاً {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة} كما أحياكم في الدنيا.
{ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} أن الله يعيدهم كما بدأهم.
الزمخشري: فإن قلت لم سمى قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت: لأنهم أدْلَوْا به كما يُدْلِي المحتج بحجته ، وساقوه مساقها فسُمّيت حجة على سبيل التهكم.
أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة.
أو لأنه في أسلوب قوله:
تَحِيَّةٌ بينهم ضَرْبٌ وَجيعُ ...
كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة.
والمراد نفي أن تكون لهم حجة ألْبَتَّةَ.