(ولكن أكثرهم لا يعلمون) لقلة نظرهم أن الأمر كذلك، وهم المشركون، وفيه تجهيل عظيم لمنكري البعث والحشر، وتوكيد لأن إنكارهم يؤدي إلى إبطال الكائنات بأسرها ويحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم، وفي هذه الآية دليل على صحة الحشر ووقوعه.
ووجه الدلالة أنه لو لم يحصل البعث والجزاء لكان هذا الخلق عبثاً، لأنه تعالى خلق نوع الإنسان، وخلق ما ينتظم به أسباب معاشهم من السقف المرفوع، والمهاد المفروش، وما فيهما وما بينهما من عجائب المصنوعات وبدائع الأحوال ثم كلفهم بالإيمان والطاعة فاقتضى ذلك أن يتميز المطيع من المعاصي، بأن يكون المطيع متعلق فضله وإحسانه، والعاصي متعلق عدله وعقابه، وذلك لا يكون في الدنيا لقصر زمانها، وعدم الاعتداد بمنافعها، لكونها مشوبة بأنواع الآفات والمحن، فلا بد من البعث (لتجزى كل نفس بما كسبت) فظهر بهذا وجه اتصال الآية بما قبلها، وهو أنه لما حكى مقالة
منكري البعث والجزاء، وهددهم ببيان مآل المجرمين الذين مضوا، ذكر الدليل القاطع، الدال على صحة البعث والجزاء فقال: وما خلقنا الخ.
(إن يوم الفصل) أي يوم القيامة الذي يفصل فيه الحق عن الباطل، والإضافة على معنى في، والظاهر أنها بمعنى اللام (ميقاتهم) أي الوقت المجعول لتميز المحسن من المسيء، والمحق من المبطل (أجمعين) لا يخرج عنهم أحد من ذلك، وقد اتفق القراء على رفع ميقاتهم على أنه خبر إن، واسمها يوم الفصل، وأجاز الكسائي والفراء نصبه على أنه اسمها، ويوم الفصل خبرها، ثم وصف سبحانه ذلك اليوم فقال:
(يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا) بدل من يوم الفصل أو منتصب بفعل يدل عليه الفصل، أي يفصل بينهم يوم لا يغني، والمعنى أنه لا ينفع قريب قريباً، ولا يدفع عنه شيئاً.