قَوْله تَعَالَى -: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ} يَعْنِي أَنَّ الْكُفَّارَ قَالُوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا الْأَصْنَامَ وَلَا الْمَلَائِكَةَ ، وَإِنَّا إنَّمَا عَبَدْنَاهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ مِنَّا ذَلِكَ فَأَكْذَبَهُمْ اللَّهُ فِي قِيلِهِمْ هَذَا وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَخْرُصُونَ وَيَكْذِبُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَشَأْ كُفْرَهُمْ.
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أَخْبَرَ فِيهِ أَنَّهُمْ مُكَذِّبُونَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ بِقَوْلِهِمْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ، وَأَبَانَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ شَاءَ أَنْ لَا يُشْرِكُوا.
وَهَذَا كُلُّهُ يُبْطِلُ مَذْهَبَ الْجَبْرِ والجهمية.
قَوْله تَعَالَى -: {بَلْ قَالُوا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} إلَى قَوْلِهِ {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى إبْطَالِ التَّقْلِيدِ لِذَمِّهِ إيَّاهُمْ عَلَى تَقْلِيدِ آبَائِهِمْ وَتَرْكِهِمْ النَّظَرَ فِيمَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْله تَعَالَى -: {إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} يَنْتَظِمُ مَعْنَيَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْحَقِّ غَيْرُ نَافِعَةٍ إلَّا مَعَ الْعِلْمِ وَأَنَّ التَّقْلِيدَ لَا يُغْنِي مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِصِحَّةِ الْمَقَالَةِ.