بعد أن بيّن اللَّه تعالى إصرار مشركي مكة على كفرهم، بيّن أن كثيرا من المتقدمين كانوا أمثالهم في تكذيب الرسل، وفي طليعتهم قوم فرعون، الذين كذبوا رسولهم موسى عليه السلام، فنصره اللَّه عليهم، وأغرقهم، وجعلهم عبرة للمعتبر.
التفسير والبيان:
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ أي لقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون، وهم قبط مصر، أرسل اللَّه إليهم رسولا كريما جامعا لخصال الخير والأفعال المحمودة، وهو موسى عليه السلام، وهو كريم على اللَّه، وكريم في قومه.
أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ أي وجاءهم رسول بأن أرسلوا معي عباد اللَّه وهم بنو إسرائيل، وأطلقوهم من العذاب، فإني رسول من اللَّه مؤتمن على الرسالة غير متهم، وهذا كقوله عز وجل: فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ، وَلا تُعَذِّبْهُمْ، قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ، وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى [طه 20/ 47] .
ويجوز أيضا أن يكون قوله: عِبادَ اللَّهِ نداء لهم، والتقدير: أدوا إلي يا عباد اللَّه ما هو واجب عليكم من الإيمان، وقبول دعوتي، واتباع سبيلي. وعلل
ذلك بأنه رَسُولٌ أَمِينٌ قد ائتمنه اللَّه على وحيه ورسالته، وهذا هو الظاهر المناسب لأصول دعوة الرسول قومه وللكلام الآتي بعده، أما إطلاق بني إسرائيل فهو مطلب فرعي ثانوي بالنسبة لأصل الدعوة.
وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ، إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي لا تتجبروا ولا تتكبروا عن اتباع آيات اللَّه، والانقياد لبراهينه، ولا تترفعوا عن طاعته ومتابعة رسله، كقوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي، سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر 40/ 60] إني آتيكم بحجة ظاهرة واضحة لا سبيل إلى إنكارها، وهي ما أرسله اللَّه تعالى به من الآيات البينات والمعجزات القاطعات كالعصا واليد وسائر الآيات التسع، فهددوه بالرجم كما قال تعالى:
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ أي أستعيذ بالله وألتجئ إليه وأتوكل عليه مما تتوعدوني به من القتل بالحجارة أو الإيذاء والشتم.