الآية واردة في منكري البعث فالنزاع في الحياة الثانية كما قيل(إن هي إلا حياتنا الدُّنْيَا وما
نحن بمبعوثين)وما معنى إن هي إلا موتتنا الأولى وما معنى ذكر الأولى
كأنهم وعدوا موتة أخرى حتى نفوها وجحدوا بها وأثبتوا الأولى كما في الكَشَّاف أي أنهم
لم يوعدوا موتة أخرى بل وعدوا حياة أخرى حتى نفوها وجحدوا بها فقَالُوا إن هي إلا
حياتنا الدُّنْيَا وتوضيح الْجَوَاب أن الْمُرَاد بموتهم موتهم بعد الحياة وتوصيفها بالأولى ليس
في مقابلة الثانية بل في مقابلة أن لا يتقدم عليه غيره سواء كان ثانيًا كما في أكثر المواضع
أو لم يكن ثانيًا كما في قولك: حج زيد حجة الأولى ومات. قوله ومات قرينة عَلَى أنه لم
يحج بعده فعلم أن ليس بشرط أن يكون ثانيًا وما نحن فيه من هذا القبيل. وفي الكَشَّاف أنه
قيل لهم إنكم تموتون موتة [تتعقبها] الحياة كما تقدمتكم موتة قد تعقبها حياة، وذلك قوله
تَعَالَى: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فأَحْيَاكُمْ ثم يميتكم ثم يحييكم) فقَالُوا إن هي الا
الموتة الأولى. يُريدُونَ ما الموتة التي من شأنها أن تتعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة
الثانية، وما هذه الصّفَة التي تصفون بها الموتة من تعقب الحياة إلا الموتة الأولى خاصة فلا
فرق إذن بين هذا وبين قولهم إن هي إلا حياتنا الدُّنْيَا. والمص أشار إليه بقوله: وقيل لما قيل
لهم إنكم تموتون الخ. ولم يرض به لأن الْمُرَاد بالموتة الأولى حِينَئِذٍ الموتة المجازية
والْمُتَبَادَر الموتة الحقيقية فيجب الحمل عليها ويدفع المحذور بما ذكره من أن الأولية لا
تقتضي الثانوية كما عرفته. نقل عن أبي علي أنه قال اتففوا عَلَى أنه ليس من شرط كونه أولًا
أن يكون بعده أخرى، وإنَّمَا الشرط أن لا يتقدم عليه غيره انتهى. فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إن فسر
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
شراح الكَشَّاف ويبطل قول صاحب الانتصاف إن [الأُولى والأخرى] لا يستعملان إلا فيما يشترك فيه
معنى ما قرن فيه من الشيء الْمَذْكُور فلا يصح أن يقال جاءني رجل وامرأة أخرى، والموتة مغايرة
للحياة فلا يصح فيها أولى بالنسبة إلَى الحياة. أقول: ما ذكره هذا القائل في إبطال كلام صاحب
الانتصاف ناش من عدم التفطن لما أدرجه في تقريره من لفظ حالين فإنه قال إنهم وعدوا بعد
الحياة الدُّنْيَا حالتين الحالة الأولى الموت والحالة الثانية البعث الذي هُوَ الحياة الثانية فالموت
والحياة الثانية يشتركان في كونهما حالة فمعنى الموتة الأولى الحالة الأولى فصح اسْتعْمَال الأولى
بالنسبة إلَى الحالة الثانية التي هي البعث. وقال الطيبي رحمه الله: وحمل الحصر عن المباشرة للموت
على صفة لم تذكر عدول عن الظَّاهر منظور فيه أَيْضًا لأن التعريف في الموتة الأولى للعهد وهو
[قرينة] دالة عَلَى أن الْمُرَاد بالموتة الأولى الموتة المعهودة ولذلك استشهد بقوله:(وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا
فأَحْيَاكُمْ ثم يميتكم)ولأن في إثباتهم أداة الحصر لأن إن نافية قرنت بـ (إلا) وإيقاعهم
الضَّمير مبهما ثم فسره بالخير عَلَى نحو قولهم: هي العرب تقول ما شاءت. الدلالة عَلَى أن هذا
الْكَلَام وارد عَلَى ما لا يوافق آراءهم من إثبات موتتين فهم [يحاولون] إبطاله ورده إلَى موتة ويهتمون
بشأنه ولا يصلح لذلك إلا ما اشتمل عَلَى هذه الموتة الْمَوْصُوفة. وأقول قد أشار صاحب الانتصاف
في تقريره إلَى جواب هذا النظر أَيْضًا حيث قال لأن الموت السابق لا يعبر عنه بالموتة لأن فيها
إشعار بالتجدد والموت السابق مستصحب لم يتقدمه حياة عَلَى أن المعهود هي الحياة الثانية بعد
الموت لا الموتة الْمَوْصُوفة يتعقب الحياة فصرف الحصر إلَى صفة لم تذكر عدول عن الظَّاهر فعلى