أنهم مثلهم في الإِصرار على الضلالة، والإِنذار عن مثل ما حل بهم) قوله: لأن الْكَلَام الخ.
بيان لذلك ودفع لتوهم كون الْمُرَاد قوم فرعون لتقدم ذكرهم قريبًا. وهَؤُلَاء إشَارَة إلَى
القريب وجه الدفع أن الْكَلَام أي في صدر السُّورَة في كفار قريش وبيان مثالبهم وما نزل
بهم من العذاب إلَى قَوْله: (ولقد فتنا قبلهم) ومن ذلك شروع في قصة
فرعون وقومه وأن إصرارهم عَلَى الكفر والإيذاء كان سببًا لهلاكهم عن آخرهم للإنذار عن
مثل ما حل بهم إن أصروا عَلَى الكفر لأن الاشتراك في السبب يؤدي إلَى الاشتراك في
المسبب، وذكر قصة فرعون لأجل إنذار قريش يكون ذكرها بالتبع، وبهذا الاعتبار كان قريشًا
فأشير إليهم بهَؤُلَاء.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ(35)
قوله: (ما العاقبة ونهاية الأمر) نبه به عَلَى أن نافية ومرجع هي العاقبة والنهاية
بمعونة القرينة.
قوله: (إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية، ولا قصد فيه إلى إثبات ثانية كما في
قولك: حج زيد الحجة الأولى ومات. وقيل لما قيل إنكم تموتون موتة يعقبها حياة كما
تقدمتكم موتة كذلك قالوا (إن هي إلا موتتنا الأولى) أي ما الموتة التي من شأنها [كذلك] إلا
الموتة الأولى) ولا قصد فيه جواب سؤال بأن الظَّاهر أن يقال إن هي إلا الحياة الأولى؛ إذ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: ولا قصد فيه إلَى إثبات ثانية. هذا بحث اضطرب فيه آراء العلماء لإشكال في تخريج
معنى الآية. وحاصل الإشكال أن كفار قريش منكرون البعث والحياة الثانية فأدوا إنكارهم ذلك
بقولهم: (إن هي إلا موتتنا الأولى) ولفظ أولى يوهم أنهم وعدوا موتتين أولى
وثانية وهم أقروا بالأولى ونفوا الثانية وليس مقصودهم به ذلك إنما مقصودهم به إنكار الحياة الثانية
بعد فنائهم وعبارتهم هذه لا نفي مقصودهم بحسب الظَّاهر، فقال صاحب الكَشَّاف: معناه والله
الموفق للصواب أنه قيل لهم إنكم تموتون موتة [تتعقبها] حياة كما تقدمتكم موتة قد [تعقبتها] حياة
وذلك قوله عز وجل: (وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) فقَالُوا:(إن
هي إلا موتتنا الأولى)يُريدُونَ ما الموتة التي من شأنها أن يتعقبها حياة إلا الموتة
الأولى دون الموتة الثانية، وماهذه الصّفَة التي تصفون بها الموتة من تعقب الحياة إلا الموتة الأولى
خاصة فلا فرق إذد بين هذا وبين قولهم: (إلا حياتنا الدُّنْيَا) في الْمَعْنَى. وقال
صاحب الانتصاف[وأظهر من ذلك أنهم لما وعدوا بعد الحياة الدنيا حالتين أخريين: الأولى منهما الموت، والأخرى حياة البعث:
أثبتوا الحالة الأولى وهي الموت، ونفوا ما بعدها، وسموها أولى مع أنهم اعتقدوا أن لا شيء بعدها؛ لأنهم نزلوا جحدهم على الإثبات فجعلوها أولى على ما ذكرت لهم، وهذا أولى من حمل الموتة الأولى على السابقة على الحياة الدنيا لوجهين، أحدهما: أن الاقتصار عليها لا يعتقدونه؛ لأنهم يثبتون الموت الذي يعقب حياة الدنيا، وحمل الحصر المباشر للموت في كلامهم على صفة لم تذكر لا على نفس الموت المشاهد لهم: فيه عدول عن الظاهر بلا حاجة. الثاني:
أن الموت السابق على الحياة الدنيا لا يعبر عنه بالموتة، فان الموتة فعلة فيها إشعار بالتجدد والطريان. والموت السابق على الحياة الدنيا أمر مستصحب لم تتقدمه حياة طرأ عليها هذا، مع أن في بقية السورة قوله تعالى لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى]. إلَى هنا كلامه. وما قال القاضي رحمه الله في تأويله بقوله ما العاقبة
ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية قريب من توجيه صاحب الانتصاف. قال بعض