وثالثها: أن الفاء في قوله تعالى {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} تدل على أن حصول تلك الإجابة مرتب على ذلك النداء وهذا يدل على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول الإجابة.
{إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}
تعليل لما فعل بنوح عليه السلام من التكرمة بأنه مجازاة له أي: إنما خصصناه بهذه التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا مملوءة من ذريته ومن ترقية ذكره الحسن في ألسنة العالمين لأجل كونه محسناً.
{فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ}
إيهاماً لهم أنه يعتمد عليها فيتبعوه.
{فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} أي: عليل وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة وأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خالياً في بيت الأصنام فيقدر على كسرها.
«فَإِنْ قِيلَ» : النظر في علم النجوم غير جائز فكيف قدم إبراهيم عليه السلام عليه وأيضاً لم يكن سقيماً فكيف أخبرهم بخلاف حاله؟
أجيب عن ذلك: بأنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بها حرام؛ لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بطبع وخاصة لأجلها يظهر منه أثر مخصوص فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل وأما الكذب فغير لازم؛ لأن قوله {إِنِّي سَقِيمٌ} على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم، وعلى تقدير تسليم ذلك أجيب بأوجه:
أحدها: أن نظره في النجوم أو في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه الحمى في بعض ساعات الليل والنهار، فنظر ليعرف هل هي تلك الساعة فقال {إِنِّي سَقِيمٌ} فجعله عذراً في تخلفه عن العيد الذي لهم فكان صادقاً فيما قال؛ لأن السقم كان يأتيه في ذلك الوقت.