وقرأ الجمهور: {بِقادِرٍ} بباء الجر، داخلة على اسم الفاعل. وقرأ الجحدري، وابن أبي إسحاق، والأعرج، وسلام بن المنذر، وأبو يعقوب الحضرمي {يقدر} فعلًا مضارعًا.
وقوله: {بَلى} جواب من جهته تعالى، وتصريح بما أفاده الاستفهام الإنكاري من تقرير ما بعد النفي، وإيذان بتعين الجواب بهذا نطقوا به، أو تلعثموا فيه مخافة الإلزام. قال ابن الشيخ: هي مختصة بإيجاب النفي المتقدم ونقضه، فهي هاهنا لنقض النفي الذي بعد الاستفهام؛ أي: بلى إنه قادر، كقوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى} ؛ أي: بلى أنت ربنا.
وقوله: {وَهُوَ} سبحانه {الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} معطوف على ما يفيده الإيجاب؛ أي: بلى وهو قادر على أن يخلق مثلهم، وهو المبالغ في الخلق والعلم كمًا وكيفًا، على أكمل وجه وأتمه. وقرأ الجمهور: {الْخَلَّاقُ} بصيغة المبالغة لكثرة مخلوقاته. وقرأ الحسن، والجحدري، ومالك بن دينار، وزيد بن علي {وهو الخالق} بصيغة اسم الفاعل. وقال بعضهم معنى: {وَهُوَ الْخَلَّاقُ} العليم؛ أي: كثير المخلوقات والمعلومات، يخلق خلقًا بعد خلق، ويعلم جميع الخلق.
وذكر البرهان الرشيدي: أن صفات الله تعالى، التي على صيغة المبالغة كلها مجاز؛ لأنها موضوعة للمبالغة ولا مبالغة فيها؛ لأن المبالغة أن يثبت للشيء أكثر مما له، وصفاته تعالى متناهية في الكمال، لا يمكن المبالغة فيها، وأيضا
فالمبالغة تكون في صفات تفيد الزيادة والنقصان، وصفات الله منزهة عن ذلك. واستحسنه الشيخ تقي الدين السبكي.
وقال الزركشي في «البرهان» : التحقيق: أن صيغة المبالغة قسمان:
أحدهما: ما تحصل المبالغة فيه بحسب زيادة الفعل.
والثاني: بحسب زيادة المفعولات. ولا شك أن تعددها لا يوجب للفعل زيادة، إذ الفعل الواقع قد يقع على جماعة متعددين. وعلى هذا القسم تنزل صفات الله، وارتفع الإشكال. ولهذا قال بعضهم، في حكيم، معنى المبالغة فيه، تكرار حكمه بالنسبة إلى الشرائع. وقال في «الكشاف» : المبالغة في «التواب» للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، أو لأنه بليغ في قبول التوبة، ينزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة كرمه.