وقرأ الجمهور: {الْأَخْضَرِ} اعتبارًا باللفظ. وقرئ {الخضراء} اعتبارًا بالمعنى. وقد تقرر، أنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه كما في قوله تعالى: {نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} وقوله: {نَخْلٍ خاوِيَةٍ} . فبنو تميم ونجد يذكرونه، وأهل الحجاز يؤنثونه إلا نادرًا.
والمعنى: أي وهو الذي بدأ خلق الشجر من ماء، حتى صار أخضر ناضرًا، ثم أعاده إلى أن صار حطبًا يابسًا توقد به النار، ومن فعل ذلك، فهو قادر على ما يريد، لا يمنعه شيء. إذ من أحدث النار في الشجر الأخضر على ما فيه من المائية المضادة للاحتراق، فهو أقدر على إعادة الغضاضة إلى ما كان غضا، فيبس وبلي.
81 -ثم ذكر بعد ذلك بدليل ثالث على قدرته، أعجب من سابقيه، فقال: {أَوَلَيْسَ} الهمزة فيه للإنكار، وإنكار النفي إيجاب، فصار الاستفهام تقريريًا، كما هو القاعدة عندهم، خلافًا لمن تغافل عنها، فجعل الاستفهام في أمثال هذه المواضع إنكاريًا. داخلة على مقدر يقتضيه المقام، والواو عاطفة على ذلك المقدر. فهمزة الاستفهام، وإن دخلت على حرف العطف ظاهرًا، لكنها في التحقيق، داخلة على كلمة النفي قصدًا، إلى إثبات القدرة له وتقريرها.
والمعنى: أليس القادر المقتدر، الذي أنشأ الأناسي أول مرة، وأليس الذي جعل لهم من الشجر الأخضر نارا، وأليس {الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ} ؛ أي: الأجرام العلوية وما فيها {وَالْأَرْضَ} ؛ أي: الأجرام السفلية وما عليها مع كبر جرمهما وعظيم شأنهما {بِقادِرٍ} في تقدير النصب؛ لأنه خبر ليس؛ أي: قادرًا {عَلى أَنْ يَخْلُقَ} في الآخرة {مِثْلَهُمْ} ؛ أي: مثل الأناسي في الصغر والحقارة بالنسبة إليهما، ويعيدهم أحياء كما كانوا. فإن بدهية العقل قاضية بأن من قدر على خلقهما فهو على خلق الأناسي أقدر، كما قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} . أو مثلهم في أصول الذات وصفاتها، وهو المعاد، فإن المعاد مثل الأول في الاشتمال على الأجزاء الأصلية والصفات المشخصة، وإن غايره في بعض العوارض؛ لأن أهل الجنة جرد مرد، وإن الجهنمي ضرسه مثل أحد وغير ذلك. وقال بعضهم: لفظ {مثل} في قوله: {مِثْلَهُمْ} مقحم كقولك مثل يجود؛ أي: على أن يخلقهم.