وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي ولنذيقن الكفار والعصاة شيئا من العذاب الأقرب والأقل وهو عذاب الدنيا من المصائب والآفات كالجوع والقتل والسبي، قبل مجيء وحدوث العذاب الأشد الأعظم وهو عذاب القيامة، ليرجعوا عن ضلالهم إلى الهدى والرشد، ويثوبوا عن الكفر، ويؤمنوا بربهم، ويصدقوا برسولهم.
والترجي في قوله لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ محال على الله تعالى، فيراد به تعليل ذلك الفعل بأمر الرجوع، كما يقال: فلان اتجر ليربح، أو يكون معناه:
لنذيقنهم إذاقة الراجين، أو إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه.
ثم ذكر الله تعالى سببا عاما للعقاب وهو ظلم الناس، فقال:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها، إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ أي لا أحد أظلم ممن ذكّره الله بآياته القرآنية ومعجزات رسله، وبيّنها
له ووضحها، ثم تركها بعد ذلك وجحدها، وأعرض عنها وتناساها كأنه لا يعرفها، فإننا سننتقم أشد الانتقام من الكفار الذي كفروا بالله واقترفوا المعاصي والمنكرات.
روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من عقد لواء في غير حق، أو عقّ والديه، أو مشى مع ظالم ينصره، فقد أجرم، يقول الله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ» .
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
1 -ليس في حكم الله وعدله ولا في ميزان العقل السليم أن يسوّى بين المؤمن والفاسق في الثواب والجزاء في يوم القيامة.
2 -يترتب على نفي المساواة بين المؤمن والكافر منع القصاص- في رأي الجمهور غير الحنفية- بينهما إذ من شرط وجوب القصاص المساواة بين القاتل والمقتول. ورأى أبو حنيفة قتل المسلم بالذمي، وقال: أراد نفي المساواة هاهنا في الآخرة في الثواب، وفي الدنيا في العدالة.
وحمله الجمهور على عمومه، إذ لا دليل يخصه.
3 -مقر المؤمنين في الآخرة ثوابا وجزاء: جنات المأوى، أي يأوون إلى الجنات فأضاف الجنات إلى المأوى لأن ذلك الموضع يتضمن جنات.