فَإِنْ قُلْتَ: كيف تصح منه الصلاة في قبره وهو ميت، وقد سقط عنه التكليف وهو في دار الآخرة، وليست دار عمل؟ وكذلك رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة من الأنبياء وهم يحجون، فما الجواب عن هذا؟
قلت: يجاب عنه بأجوبة:
منها: أن الأنبياء كالشهداء، بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا يبعد أن يحجوا أو يصلوا كما صح في الحديث، وأن يتقربوا إلى الله بما استطاعوا، وإن كانوا قد ماتوا, لأنهم بمنزلة الأحياء في هذه الدار، التي هي دار العمل، إلى أن تفنى، ثم يرحلون إلى دار الجزاء، التي هي الجنة.
ومنها: أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى حالهم الذي كانوا عليه في حياتهم، ومثلوا له كيف كانوا، وكيف كان حجهم وصلاتهم.
ومنها: أن التكليف وإن ارتفع عنهم في الآخرة، لكن الذكر والشكر والدعاء لا يرتفع، قال الله تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} إلى غير ذلك.
وقيل: معنى {فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ} ؛ أي: من تلقي موسى كتاب الله بالرضا والقبول، وعبارة النسفي هنا: {فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ} ؛ أي: من لقاء موسى الكتاب، أو من لقائك موسى ليلة المعراج، أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى ربه في الآخرة، كذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انتهى. وعبارة،"المراح": {فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ} ؛ أي: فلا تكن يا أشرف الخلق في شك من لقاء الكتاب الذي هو القرآن؛ أي: إنا آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب، فلا تكن في شك من أنك لقيت نظيره. اهـ. كذا في"البيضاوي".
وقيل المعنى: فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب، فإنا ألقينا عليه التوراة، وهذا المعنى هو الذي يستدعيه ترتيب الفاء على ما قبلها.
فَإِنْ قُلْتَ: ما معنى النهي وليس له - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شك أصلًا؟