ثم بين جزاءه على ذلك فقال: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} ؛ أي: من كل من اتصف بإجرام، وإن هانت جريمته {مُنْتَقِمُونَ} بالعذاب، فكيف من كان أظلم من كل ظالم، وأشد جرمًا من كل مجرم، يقال: انتقمه: إذا عاقبه على جريمته؛ أي: إنا سننتقم أشد الانتقام من الذين اجترحوا السيئات، واكتسبوا الآثام والمعاصي، روى ابن جرير بسنده عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"ثلاث من فعلهن .. فقد أجرم، من عقد لواءً في غير حق، أو عقّ والديه، أو مشى مع ظالم لينصره، يقول الله: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} ".
واعلم: أن الظلم أقبح الأمور، ولذلك حرمه الله على نفسه، فينبغي للعاقل أن يتعظ بمواعظ الله، ويتخلق باخلاقه، ويجتنب عن أذية الروح - بموافقة النفس والطبيعة - وأذية عباد الله تعالى.
23 - {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} ؛ أي: التوراة؛ أي: وعزتي وجلالي لقد آتينا وأعطينا موسى بن عمران التوراة، كما آتيناك القرآن {فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ} ؛ أي: في شك {مِنْ لِقَائِهِ} ؛ أي: من لقائك موسى عليه السلام ليلة المعراج، قاله ابن عباس رضي الله عنهما.
وقرأ الحسن: {فِي مِرْيَةٍ} بضم الميم، ذكره أبو حيان.
عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"رأيت ليلة أسري بي موسى رجلًا آدم طوالًا جعدًا، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلًا مربوعًا، مربوع الخلق، إلى الحمرة وإلى البياض، سبط الشعر، ورأيت مالكًا خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إياه، فلا تكن في مرية من لقائه". متفق عليه.
وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أتيت على موسى ليلة أسري بي، عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره". أخرجه مسلم.
فَإِنْ قُلْتَ: قد صحّ في حديث المعراج: أنه رآه في السماء السادسة عند مراجعته في الصلوات، فكيف الجمع بين هذين الحديثين؟
قلت: يحتمل أن تكون رؤيته في قبره عند الكثيب الأحمر كان قبل صعوده إلى السماء، وذلك في طريقه إلى بيت المقدس، ثم لما صعد إلى السماء السادسة .. وجده هناك قد سبقه لما يريد الله عزّ وجل، وهو على كل شيء قدير.