وفي المراد من تجافي الجنوب عن المضاجع أقوال، والمشهور أن المراد به: القيام لصلاة النفل ليلًا، قاله جمهور المفسرين، وهو قول مجاهد، والأوزاعي، ومالك بن أنس، والحسن بن أبي الحسن، وأبي العالية وغيرهم؛ لأن أفضل النفل ما كان في الأسحار، وفي الحث على قيام الليل أحاديث كثيرة، منها حديث معاذ بن جبل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له:"ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئُ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل"قال: ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} حتى بلغ: {يَعْمَلُون} .
أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، والقاضي إسماعيل بن إسحق، وأبو عيسى الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وقال أنس: إن المراد بالآية انتظار صلاة العشاء الآخرة لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يؤخرها إلى نحو ثلث الليل، قال أنس: نزلت فينا - معاشر الأنصار - كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ابن عطية: كانت الجاهلية ينامون من وقت الغروب ومن أي وقت شاء الإنسان، فجاء انتظار وقت العشاء غريبًا وشاقًّا. اهـ.
وقال الضحاك: تَجَافِي الجُنُب: هو أن يصلي العشاء والصبح في جماعة. وقاله أبو الدرداء.
{يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} أي: يسألونه - تعالى: خائفين من غضبه وعذابه وعدم قبول عبادتهم، وطامعين في ثوابه وحسن جزائه.
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} أي: ومن المال الذي أعطيناهم إياه ينفقون في وجوه الخير، وقيل: معناه الزكاة المفروضة، اهـ: القرطبي.
17 - {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} :
يخبر الله - سبحانه - أنه أعد لهؤلاء الذين ذكرت محاسنهم ثوابًا عظيمًا من النعيم المقيم الذي أُخفي لهم، فلا تعلم كنهه نفس من النفوس، لا ملك مقرّب، ولا نبي مرسل، فضلا عمن عداهم بهذا النعيم الذي تبرُدُ أعينهم سرورًا به وتبتهج قلوبهم له: جزاء وفاقًا لما أخفوه من أعمالهم الصالحة في الدنيا، فإن الجزاء من جنس العمل.