غير أنه يحسن بهذه المناسبة تقرير أن نظرية النشوء والارتقاء لدارون القائلة: بأن الأنواع تسلسلت من الخلية الواحدة إلى الإنسان في أطوار متوالية ؛ وأن هناك حلقات نشوء وارتقاء متصلة تجعل أصل الإنسان المباشر حيواناً فوق القردة العليا ودون الإنسان.. أن هذه النظرية غير صحيحة في هذه النقطة وأن كشف عوامل الوراثة التي لم يكن دارون قد عرفها تجعل هذا التطور من نوع إلى نوع ضرباً من المستحيل. فهناك عوامل وراثة كامنة في خلية كل نوع تحتفظ له بخصائص نوعه ؛ وتحتم أن يظل في دائرة النوع الذي نشأ منه ، ولا يخرج قط عن نوعه ولا يتطور إلى نوع جديد. فالقط أصله قط وسيظل قطاً على توالي القرون. والكلب كذلك. والثور. والحصان. والقرد. والإنسان. وكل ما يمكن أن يقع حسب نظريات الوراثة هو الارتقاء في حدود النوع نفسه. دون الانتقال إلى نوع آخر. وهذا يبطل القسم الرئيسي في نظرية دارون التي فهم ناس من المخدوعين باسم العلم أنها حقيقة غير قابلة للنقض في يوم من الأيام!
ثم نعود إلى ظلال القرآن!
{ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} ..
من ماء النطفة الذي هو المرحلة الأولى في تطور الجنين: من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام إلى كمال التكوين الجنيني ، في هذه السلالة التي تبدأ بالماء المهين. وإنها لرحلة هائلة حين ينظر إلى طبيعة التطورات التي تمر بها تلك النقطة الضائعة في ذلك الماء المهين. حتى تصل إلى الإنسان المقعد البديع التكوين! وإنها لمسافة شاسعة ضخمة بين الطور الأول والطور الأخير.
وذلك ما يعبر عنه القرآن في آية واحدة تصور هذه الرحلة المديدة:
{ثم سواه ، ونفخ فيه من روحه ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} ..
يا الله. ما أضخم الرحلة! وما أبعد الشقة! وما أعظم المعجزة التي يمر عليها الناس غافلين!