ثم احتج أهل الإسلام بالآية ، أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله ، وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة . وللمنجم أن يقول للمعتزلي: إذا فسرت التعليم بوضع الدليل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها الله تعالى على أحوال هذا العالم ، فيكون من جملة ما علمه الله تعالى أنك أنت العليم بكل المعلومات ، فأمكنك تعليم آدم الحكيم فِي هذا الفعل المصيب فيه . وعن ابن عباس: أن مراد الملائكة من الحكيم أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة فِي الأرض . وقوله {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض} استحضار لقوله تعالى لهم {إني أعلم ما لا تعلمون} إلا أنه تعالى جاء به على وجه أبسط وأشرح ، فيندرج فيه علمه بأحوال آدم قبل أن خلقه . وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها ، فيبطل مذهب هشام ابن الحكم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها . وقد روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود أنه يريد بقوله {ما تبدون} قولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها} وبقوله {وما كنتم تكتمون} ما أسر إبليس فِي نفسه من الكفر والكبر وأن لا يسجد . وقيل: لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً فقالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه ، فهذا هو الذي كتموه . ويجوز أن يكون هذا القول منهم سراً أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم ، فكان فِي هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان . والظاهر أنه عام كقوله {إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون} [الأنبياء: 11] {إنه يعلم الجهر وما يخفى} [الأعلى: 7] .