قَالَ الْأُسْتَاذُ: إِنَّ هَذِهِ التَّأْكِيدَاتِ تُشْعِرُ بِأَنَّ سُؤَالَ الِاسْتِغْرَابِ الْأَوَّلِ كَانَ يُتَنَسَّمُ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عَنْ (أَنْبَئُونِي) بِقَوْلِهِمْ: (لَا عِلْمَ لَنَا) خَتَمُوا الْجَوَابَ بِالتَّبَرُّؤِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ - تَعَالَى - بِالْعِلْمِ الثَّابِتِ الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ ، وَالْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ اللَّازِمَةِ لَهُ ؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ أَنَّ صِيغَةَ (فَعِيلٍ) تَدُلُّ غَالِبًا عَلَى الصِّفَاتِ الرَّاسِخَةِ اللَّازِمَةِ ، فَكَانَ جَوَابُ الْمَلَائِكَةِ بِهَذَا مُؤْذِنًا بِأَنَّهُمْ رَجَعُوا إِلَى مَا كَانَ يَجِبُ أَلَّا يَغْفَلَ مِثْلُهُمْ عَنْهُ ، وَهُوَ التَّسْلِيمُ لِسِعَةِ عِلْمِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ .
(قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) فَكَانَ الْإِنْبَاءُ كَمَا أَرَادَ اللهُ - تَعَالَى - وَذَكَرَهُ لِأَجْلِ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ) اللهُ - تَعَالَى - لِلْمَلَائِكَةِ: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وَمَنْ كَانَ هَذَا شَأْنَهُ فَلَا يَخْلُقُ شَيْئًا سُدًى ، وَلَا يَجْعَلُ الْخَلِيفَةَ فِي الْأَرْضِ عَبَثًا (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) وَالَّذِي يُبْدُونَهُ هُوَ مَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي نُفُوسِهِمْ ، وَأَمَّا مَا يَكْتُمُونَ فَهُوَ مَا يُوجَدُ فِي غَرَائِزِهِمْ وَتَنْطَوِي عَلَيْهِ طَبَائِعُهُمْ .