فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 34977 من 466147

فحق الواعظ أن تكون له مناسبة إلى الحكماء ليقدر على الاقتباس عنهم والاستفادة منهم، ومناسبة إلى الدهماء حتى يقدروا بها على الأخذ منه كالوزير للسلطان الذي يجب أن يكون فيه أخلاق الملوك، وتواضع السوقة ليصلح أن يكون واسطة بينه وبينهم، وكالنبي الذي جعله الله من البشر وأعطاه قوة الملك ليمكنه أن يأخذ عن الملك ويمكن البشر أن يأخذوا عنه، وإلى هذا أشار تعالى بقوله: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا)

تنبيها أنه ليس فِي وسعهم التلقي عن الملك ما لم يتجسم فيصير في

صورة رجل. فإذن حق الواعظ أن تكون له نسبة إلى الحكيم ونسبة إلى العامة يأخذ منه ويعطيهم، كنسبة الغضاريف إلى اللحم والعظم جميعا، ولولاها لما أمكن العظم أن يكتسب الغذاء من اللحم، وهذا مما إذا تؤمل اطلع منه على حكمة عجيبة وصنعة غريبة.

الحال التي يجب أن يكون الواعظ عليها

حق الواعظ أن يتعظ ثم يعظ، ويبصر ثم يبصر، ويهتدي ثم يهدي، ولا يكون كدفتر يفيد ولا يستفيد، وكمسن يشحذ ولا يقطع، بل يكون كالشمس التي تفيد القمر الضوء ولها أفضل مما تفيده، وكالنار التي تحمي الحديد ولها من الحمى أكثر مما تفيد، ويجب أن لا يجرح مقاله بفعاله، ولا يكذب لسانه بحاله، فيكون ممن وصفهم الله تعالى بقوله: (ومن الناس من يعجبك قوله فِي الحياة الدنيا ويشهد الله على ما فِي قلبه وهو ألد الخصام(204) وإذا تولى سعى فِي الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205)

ونحو ما قال علي كرم الله وجهه:"قصم ظهري رجلان: جاهل متنسك وعالم متهتك، فالجاهل يغر الناس بتنسكه، والعالم ينفرهم بتهتكه"، والواعظ ما لم يكن مع مقاله فعاله لا ينتفع به وذلك أن عمله يدرك

بالبصر، وعلمه مدرك بالبصيرة، وأكثر الناس أصحاب الأبصار دون البصائر، فيجب أن تكون عنايته بإظهار عمله الذي يدركه جماعتهم أكثر من عنايته بالعلم الذي لا يدركه إلا البصير منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت