أشرف ثمرة للعقل معرفة الله تعالى، وحسن طاعته، والكف عن معصيته، وعلى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -:"العقل ثلاثة أجزاء: جزء معرفة الله، وجزء طاعة الله، وجزء الصبر عن معصية الله"، وقال - صلى الله عليه وسلم -:"الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء،"
وماله العفة، وثمرته العلم"."
فمعرفة الله تعالى العامية مركوزة فِي النفس، وهي معرفة كل أحد أنه مفعول وأن له فاعلا فعله، ونقله فِي الأحوال المختلفة، وإليه أشار بقوله تعالى: (فطرت الله التي فطر الناس عليها)
وقوله: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة)
وقوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين(172) .
فهذا القدر من المعرفة فِي نفس كل أحد، ويتنبه الغافل عنه إذا نبه عليه فيعرفه كما يعرف أن ما هو مساو لغيره فذلك الغير مساو له، ومن هذا الوجه قال تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)
وقال فِي مخاطبة المؤمنين والكافرين: (ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون(53)
ثم قال بعده: (ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون(54) .
وأما معرفة الله تعالى المكتسبة فمعرفة توحيده وصفاته، وما يجب أن يثبت له من الصفات، وما يجب أن ينفى عنه، وهذه المعرفة هي التي دعا الأنبياء - عليهم السلام - لها وحثوا
عليها؛ ولهذا قال كلهم: قولوا: لا إله إلا الله، ولم يدع أحد إلى معرفته تعالى، بل دعا إلى توحيده.
وهذه المعرفة - أعني المكتسبة - على ثلاثة أضرب:
ضرب: لا يكاد يدركه إلا نبي أو صديق أو شهيد ومن داناهم، وذلك معرفته بالنور الإلهي من حيث لا يعتري فيه شك بوجه، كما قال تعالى: (إإنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) .