وضرب: يدرك بغلبة الظن الذي يفسره أهل اللغة باليقين، كما قال تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون(46) .
وضرب: يدرك بخيالات ومثل وتقليدات، وإياه عني بقوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون(106) .
فالأول: يجري مجرى إدراكه الشيء من قريب؛ ولهذا قال تعالى فِي وصفهم:
(إن فِي ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد(37) .
والثاني: يجري مجرى إدراكه الشيء من بعيد، وقد يعتري فيه شبهة ولكن تزول بأدنى تأمل كما قال تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون(201) .
والثالث: يجري مجرى من يرى الشيء من وراء ستر من بعيد، ولا ينفك من
شبهات كما أخبر تعالى عمن هذه حالته بقوله: (إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين(32) .
ولأجل صعوبة معرفة الله تعالى على الحقيقة حتى يتخلص الإنسان من آفات
الشرك قال تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون(106)
وقال تعالى: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين(11)
وقال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)
وقال: (قل الله أعبد مخلصا له ديني(14) فاعبدوا ما شئتم من دونه)
وقال - صلى الله عليه وسلم -:"من قال: لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة".
وغاية معرفة الإنسان بربه أن يعرف أجناس الموجودات جواهرها وأعراضها المحسوسة
والمعقولة، ويعرف أثر الصنعة فيها، وأنها محدثة وأن محدثها ليس إياها ولا مثلا لها، بل هو الذي يصح ارتفاع كلها مع بقائه ولا يصح بقاؤها وارتفاعه، وبهذا النظر قال الصديق - رضي الله عنه -:"سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته"،
بل لهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"تفكروا فِي آلاء الله ولا تتفكروا فِي ذاته".
ولما كان معرفة العالم كله تصعب على الإنسان الواحد، لقصور أفهام بعضهم