والحفظ للنفس من وجه جار مجرى الخزانة للملك يضمع فيها الزخائر إلى وقت الحاجة) ومن وجه جار مجرى الكتاب الذي يكتب فيه الشيء ليرجع إليه فيتذكر به، والناس متفاوتون فيه بحسب أمزجتهم، فمنهم من قوى الله تعالى ذلك فيه كما جعله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، (فلذلك كان كونه أميا شرفا له) ، إذ كان له من الحفظ ما يغنيه عن الاستعانة بالكتابة، ولهذا قال تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به(16) إن علينا جمعه وقرآنه (17)
فضمن أنه يحفظ عليه بما جعل له من القوة الإلهية. وروي أنه لما نزل قوله تعالى: (وتعيها أذن واعية(12 ) )
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي:"سألت الله تعالى أن يجعلها أذنك"فلم يسمع بعد ذلك شيئا إلا وعاه.
ومن الناس من يسرع إليه النسيان فما سمعه يكون كالخط يكتب فِي بسط الماء.
وأما البلاغة: فإجادة اختيار الألفاظ والإصابة فِي تأليفها وقدرها ومعناها وتحري الصدق فيها، ولا يكون الكلام تام البلاغة ما لم يجمع هذه المعاني، فإنه متى قبح اللفظ، أو قبح التأليف، أو كان أكثر مما يحب، أو أقل مما يحب، أو لم يطابق اللفظ المعنى، إما حقيقة أو استعارة رائقة، أو كان المعنى محالا أو كذبا، خرج الكلام بقدر ما اختل منه من باب البلاغة، وقد وصفت البلاغة بأوصاف مختلفة بحسب أنظار مختلفة، فقال بعضهم: البلاغة هي الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل.
وقيل: ما فهمته العامة ورضيته الخاصة.
وقيل: ما اجتيازه فساد له. إلى غير ذلك من الأوصاف.
وأما الفصاحة: فاشتقاقها من فصح اللبن إذا خلص، وهي الإصابة فِي اللفظ (يعني اختصاره) ، والائتلاف دون اعتبار الصدق وصواب المعنى، فكل كلام جزل اللفظ
حسن التركيب فموصوف بالفصاحة، صدقا كان أو كذبا.
فالبلاغة ترجع إلى اللفظ والمعنى، والفصاحة إلى اللفظ دون المعنى
ثمرة العقل من معرفة الله الضرورية والمكتسبة وغاية ما يبلغه الإنسان من ذلك