والشارع الحكيم يوازن بين الأطراف ، فيأخذ منك ويعطيك ، فلماذا في حالة موت الوالد عن هؤلاء البنات ، وليس لهُنَّ ميراث يَعُدْن على العم أو ابن العم بالنفقة ويقاضونه في المحاكم ، فلماذا نحرمهم حقوقهم ونطالب نحن بحقوقنا ، فهذا نوع من التغفيل .
لماذا لا نعطي العم أو ابن العم وهو الذي سيحمي البنات ويسهر على راحتهن ، ويقف بجوارهن حال شدتهن؟
إيَّاك - إذن - أنْ تُدخِل الأقارب في الزكاة ، أو تربط مساعدتهم بالقدرة ؛ لأن لهم عليك حقاً حال رخائك وحال شدتك .
ويكفي أن الحق سبحانه خصَّهم بقوله {ذَا القربى ...} [الروم: 38] ولم يقُلْ: ذا المسكنة ، أو ذا السبيل ، وكلمة (ذو) بمعنى صاحب ، تدل على المصاحبة الدائمة والملازمة ، فلا نقول: فلان ذو علم لمن علم قضية أو قضيتين ، إنما لمن اتصف بالعلم الوسع وتمكَّن منه ، كذلك لا نقول فلان ذو خلق إلا إذا كان الخُلُق صفة ملازمة له لا تنفك عنه .
ومن ذلك نقول: ذو القربى يعني ملاصقاً لك لا ينفك عنك ، فيجب أنْ تراعي حقَّه عليك ، فتجعل له نصيباً ، حتى إنْ لم تكُنْ تملك نصاباً ، وكذلك للمسكين وابن السبيل ؛ لأن الله ذكرهم معاً في غير بند الزكاة ، فدلَّ ذلك على أن لهم حقاً غير الزكاة الواجبة .
ونلحظ أن القرآن رتَّبهم حسب الأهمية والحاجة ، فأولهم القريب لقرابته الثابتة منك ، ثم المسكين وهو متوطن معروف لك ، ثم ابن السبيل العابر الذي تراه يوماً ولا تراه بعد ذلك ، فهو حسب موضعه من الحال .
والمسكين قد يتغير حاله ، ويتيسر له الرزق فيُوسِّع الله عليه ، وابن السبيل يعود إلى بلده ، فالوصف الثابت لذي القربى ؛ لذلك وصفه الله تعالى بما يدل على الثبات .
ثم قال {حَقَّهُ ...} [الروم: 38] فالحق ملازم له وهو أَوْلَى به ، لذلك لم يَقُل مثلاً: وآت ذا القربى حقه ، والمسكين ، وابن السبيل حقوقهم .