بالأوامر واستفرغ أخلاطهم الرَّديئَة بِالتَّوْبَةِ فَجَاءَت الْعَافِيَة من كل نَاحيَة.
فيا من ضيّع الْقُوَّة وَلم يحفظها وخلط فِي مَرضه وَمَا احتمى وَلَا صَبر على مرَارَة الاستفراغ لَا تنكر قرب الْهَلَاك فالداء مترام إِلَى الْفساد لَو ساعد الْقدر فأعنت الطَّبِيب على نَفسك بالحمية من شَهْوَة خسيسة ظَفرت بأنواع اللَّذَّات وأصناف المشتهيات وَلَك بخار الشَّهْوَة غطى عين البصيرة فَظَنَنْت أَن الحزم بيع الْوَعْد بِالنَّقْدِ يالها بَصِيرَة عمياء جزعت من صَبر سَاعَة واحتملت ذل الْأَبَد سَافَرت فِي طلب الدُّنْيَا وَهِي عَنْهَا زائلة وَقَعَدت عَن السّفر إِلَى الْآخِرَة وَهِي إِلَيْهَا رَاحِلَة إِذا رَأَيْت الرجل يَشْتَرِي الخسيس بالنفيس وَيبِيع الْعَظِيم بالحقير فَاعْلَم بِأَنَّهُ سَفِيه.
(فصل)
فهذه كالمناظرة من الملائكة والجواب عن سؤالهم كأنهم قالوا إن استخلفت في الأرض خليفة كان منه الفساد وسفك الدماء وحكمتك تقتضي أن لا تفعل ذلك وإن جعلت فيها فتجعل فيها من يسبح بحمدك ويقدس لك ونحن نفعل ذلك فأجابهم تعالى عن هذا السؤال بأن له من الحكمة في جعل هذا الخليفة في الأرض ما لا تعلمه الملائكة وإن وراء ما زعمتم من الفساد مصالح وحكما لا تعلمونها أنتم وقد ذكرنا منها قريبا من أربعين حكمة في كتاب التحفة المكية فاستخرج تعالى من هذا الخليفة
وذريته الأنبياء والرسل والأولياء والمؤمنين وعمر بهم الجنة وميز الخبيث من ذريته من الطيب فعمر بهم النار.
وكان في ضمن ذلك من الحكم والمصالح ما لم يكن للملائكة تعلمه ثم إنه سبحانه أظهر فضل الخليفة عليهم بما خص به من العلم الذي لم تعلمه الملائكة وأمرهم بالسجود له تكريما له وتعظيما له وإظهار لفضله.
وفي ضمن ذلك من الحكم ما لا يعلمه إلا الله فمنها امتحانهم بالسجود لمن زعموا أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء فأسجدهم له وأظهر فضله عليهم لما أثنوا على أنفسهم وذموا الخليفة كما فعل سبحانه ذلك بموسى لما أخبر عن نفسه أنه أعلم أهل الأرض فامتحنه بالخضر وعجزه معه في تلك الوقائع الثلاث وهذه سنته تعالى في خليقته وهو الحكيم العليم.