وَهَذَا يدل على أن هَذَا منَاف لكَمَال حكمته وأن ربوبيته وعزته وحكمته تأبى ذَلِك وَلِهَذَا أخرج الْكَلَام مخرج الإنكار على من زعم ذَلِك وَهُوَ يدل على أن حسنه مُسْتَقر فِي الْفطر والعقول وقبح تَركه سدا معطلا أيضا مُسْتَقر فِي الْفطر فَكيف ينْسب إلى الرب مَا قبحه مُسْتَقر فِي فطركم وعقولكم.
وَقَالَ تَعَالَى {أفحسبتم أنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إلينا لَا ترجعون فتعالى الله الْملك الْحق لَا إِلَه إلا هُوَ رب الْعَرْش الْكَرِيم} .
(فصل)
كَانَ أول الْمَخْلُوقَات الْقَلَم ليكتب الْمَقَادِير قبل كَونهَا وَجعل آدم آخر الْمَخْلُوقَات
وَفِي ذَلِك حكم.
أَحدهَا: تمهيد الدَّار قبل السَّاكِن
الثَّانِيَة أَنه الْغَايَة الَّتِي خلق لأَجلهَا مَا سواهُ من السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالْبر وَالْبَحْر
الثَّالِثَة أَن أحذق الصنّاع يخْتم عمله بأحسنه وغايته كَمَا يبدؤه بأساسه ومبادئه
الرَّابِعَة أَن النُّفُوس متطلعة إِلَى النهايات والأواخر دَائِما وَلِهَذَا قَالَ مُوسَى للسحرة {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ ملقون} فَلَمَّا رأى النَّاس فعلهم تطلعوا إِلَى مَا يَأْتِي بعده.
الْخَامِسَة أَن الله سُبْحَانَهُ أخّر أفضل الْكتب والأنبياء والأمم إِلَى آخر الزَّمَان وَجعل الْآخِرَة خيرا من الأولى والنهايات أكمل من البدايات فكم بَين قَول الْملك للرسول اقْرَأ فَيَقُول مَا أَنا بقارئ وَبَين قَوْله تَعَالَى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُمْ}
السَّادِسَة أنه سُبْحَانَهُ جمع مَا فرقه فِي الْعَالم فِي آدم فَهُوَ الْعَالم الصَّغِير وَفِيه مَا فِي الْعَالم الْكَبِير
السَّابِعَة أنه خُلَاصَة الْوُجُود وثمرته فَنَاسَبَ أَن يكون خلقه بعد الموجودات
الثَّامِنَة أَن من كرامته على خالقه أَنه هيأ لَهُ مَصَالِحه وحوائجه وآلات معيشته وَأَسْبَاب حَيَاته فَمَا رفع رَأسه إِلَّا وَذَلِكَ كُله حَاضر عتيد.
التَّاسِعَة أَنه سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَن يظْهر شرفه وفضله على سَائِر الْمَخْلُوقَات فَقَدمهَا عَلَيْهِ فِي الْخلق وَلِهَذَا قَالَت الْمَلَائِكَة ليخلق رَبنَا مَا شَاءَ فَلَنْ يخلق خلقا أكْرم عَلَيْهِ منا فَلَمَّا خلق آدم وَأمرهمْ بِالسُّجُود لَهُ ظهر فَضله وشرفه عَلَيْهِم بِالْعلمِ والمعرفة فَلَمَّا وَقع فِي الذَّنب ظنت الْمَلَائِكَة أَن ذَلِك الْفضل