ومعنى الآية: أي ولكن الذين ظلموا أنفسهم، فكفروا بالله، اتبعوا أهواءهم جهلًا منهم لحق الله عليهم، فأشركوا الآلهة والأوثان في عبادته، ولو قلبوا وجوه الرأي، واستعملوا الفكر والتدبر .. لربما ردهم ذلك إلى معرفة الحق، ووصلوا إلى سبيل الرشد، ولكن أنى لهم ذلك.
فمن يهدي من خلق الله فيه الضلال، وجعله كاسبًا له باختياره، لسوء استعداده، وميله بالفطرة إليه، وعلم الله فيه ذلك، وليس لهم ناصر ينقذهم من بأس الله، وشديد إنتقامه إذا حل بهم؛ لأنه ما شاء .. كان، وما لم يشأ لم يكن.
وفي الآية إشارة إلى أن العمل بمقتضى العقل السليم هدى، والميل إلى التقليد للجهلة هوى، فكما أن أهل الهدى منصورون أبدًا، فكذا أهل الهوى، مخذولون سرمدًا وإلى أن الخذلان واتباع الهوى من عقوبات الله المعنوية في الدنيا، فلا بد من قرع باب العفو بالتوبة، والسلوك إلى طريق التحقيق، والإعراض عن الهوى والبدعة، فإنهما شر رفيق.
30 -ثم أمر الله سبحانه رسوله - صلى الله عليه وسلم - بتوحيده وعبادته فقال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} ؛ أي: قوم ذاتك وعدلها واصرفها {لِلدِّينِ} الحنيفي، وأقبل بكليتك عليه، غير ملتفت عنه يمينًا وشمالًا، أو أخلص عملك لله تعالى، وهذا تمثيل لإقباله على الدين، واستقامته عليه، واهتمامه بأسبابه، فإن من اهتم بالشيء .. عقد عليه طرفه، وسدد إليه نظره، وقوم له وجهه.
و {الفاء} فيه: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان حال المشركين اتباع الهوى، والإعراض عن الهدى .. فقوم وجهك يا محمد للدين الحق، الذي هو دين الإِسلام، وعدله غير ملتفت يمينًا وشمالًا، أو سدد وجهك نحو الوجه الذي وجهك إليه ربك لطاعته، وهو الدين القيم دين الفطرة.
وقوله: {حَنِيفًا} حال من فاعل {أَقِمْ} ؛ أي: حال كونك مائلًا إليه عن سائر الأديان، مستقيمًا عليه لا ترجع عنه إلى غيره، ويجوز أن يكون حالًا من {الدِّينِ} ؛ أي: حال كون ذلك الدين قويمًا لا اعوجاج فيه، وقال بعضهم: في الآية الوجه، ما يتوجه إليه، وعمل الإنسان ودينه مما يتوجه الإنسان إليه، لتسديده وإقامته، والمعنى عليه: أخلص دينك، وسدد عملك مائلًا إليه عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة.