والخطاب عام للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولجميع الأمة، والإفراد في {أَقِمْ} لما أن الرسول إمام الأمة، فأمره مستتبع لأمرهم، وقوله: {فِطْرَتَ اللَّهِ} منصوب على الإغراء؛ أي: الزموا أيها الناس فطرت الله سبحانه؛ أي: دينه وتوحيده، وترسم {التاء} فيه مجرورةً وليس في القرآن غيرها. اهـ."الفتوحات".
{الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ؛ أي: خلق جميع الناس، مؤمنهم وكافرهم عليها في بطون أمهاتهم، وحيث أخذهم الله من ظهر آدم، وسألهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فقالوا: {بَلَى} والموصول صفة لـ {فِطْرَتَ اللَّهِ} مؤكدة لوجوب الامتثال بالأمر، فإن خلق الله الناس على فطرته التي هي عبارة عن قبولهم للحق، وتمكنم من إدراكه، أو عن ملة الإِسلام، من موجبات لزومها، والتمسك بها قطعًا.
المعنى: أنه خلقهم قابلين للتوحيد والإِسلام، غير نائين عنه ولا منكرين له، لكونه مجاوبًا للعقل، مساوقًا للنظر الصحيح، حتى لو تركوا وما خلقوا عليه ما اختاروا عليه دينًا آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الإنس والجن.
ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه:"كل عبادي خلقت حنفاء، فاجتالتهم - استخفتهم وأضلتهم - الشياطين عن دينهم، وأمروهم أن يشركوا بي غيري".
ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه، الذي رواه عنه أبو هريرة - رضي الله عنه - ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء"يعني تكونون أنتم تجدعونها؛ أي: تقطعون أنفها أو أذنها، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا: {فِطْرَتَ اللَّهِ ...} الآية.
ومعناه: كل مولود إنما يولد في مبدأ الخلقة، وأصل الجبلة على الفطرة السليمة، والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها .. استمر على لزومها، ولم يفارقها إلى غيرها؛ لأن هذا الدين حسنه العقل السليم، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية والتقليد، فمن سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره.