ولما كان تقديره أنهم إلى الطواغيت الباطلة يدعون ، والقرآن داع إلى الله الحق المبين ، سبب عنه قوله: {فلا تدع} وخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام وهو أكرم الخلق لديه ، وأعزهم عليه ، ليكون لطفاً لغيره فيما يأتيه من الإنذار ، فيكون الوعيد أزجر له ، ويكون هو له أقبل {مع الله} أي الحائز لكل كمال الداعي إليه هذا القرآن الذي نزل به عليك الروح الأمين ، لما بينك وبينهما من تمام النسبة بالنورانية والخير {إلهاً} وتقدم في آخر الفرقان حكمة الإتيان بقوله: {آخر فتكون} أي فيتسبب عن ذلك أن تكون {من المعذبين} من القادر على ما يريد بأيسر أمر وأسهله ، وهذا الكلام لكل من سمع القرآن في الحث على تدبره معناه ، ومقصده ومغزاه ، ليعلم أنه في غاية المباينة للشياطين وضلالهم ، والملاءمة للمقربين وأحوالهم ، لعله خاطب به المعصوم ، زيادة في الحث على اتباع الهدى ، وتجنب الردى ، وليعطف عليه قوله: {وأنذر} أي بهذا القرآن {عشيرتك} أي قبيلتك {الأقربين} أي الأدنين في النسب ، ولا تحاب أحداً ، فإن المقصود الأعظم به النذارة لكف الخلائق عما يثمر الهلاك من اتباع الشياطين الذين اجتالوهم عن دينهم بعد أن كانوا حنفاء كلهم ، وإنذار الأقربين يفهم الإنذار لغيرهم من باب الأولى ، ويكسر من أنفة الأبعد للمواجهة بما يكره ، لأنه سلك به مسلك الأقرب ، ولقد قام - صلى الله عليه وسلم - بهذه الآية حق القيام ؛ روى البخاري