فالقرآن الكريم حوى علمَ الأولينَ والآخرين فهو أصل العلوم كلها، فعلم الكلام من القرآن، وعلم الفقه وأصول الفقه وعلم النحو واللغة، وعلوم مثل التاريخ والطب والجدل وأصول الصنائع وغيرها الكثير. واشتمل على علم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة ومنها أهوال يوم القيامة وأحوال الناس فيه، كما يفصل أخبار مآلهم ففريق في الجنة وفريق في السعير، ثم ينتقل إلى وصف الجنة ونعيم أهلها وإلى وصف النار وجحيم أهلها إلى ما هنالك مما لا يعلم إلا عن طريق الوحي وهذا كثير جدا في القرآن.
يقول القاضي عياض: ومن إعجازه جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عامة ولا محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل نبوته خاصة بمعرفتها ولا القيام بها، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم، ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم، فجمع فيه من بيان علم الشرائع، والتنبيه على طرق الحجج العقليات،
والرد على فِرَق الأمم ببراهين قوية، وأدلة بينة سهلة الألفاظ، موجزة المقاصد، رام المتحذلقون بعدُ أن ينصبوا أدلة مثلها فلم يقدروا عليها كقوله تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [يس: 81] وقوله: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] وقوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] إلى ما حواه من علوم السير، وأنباء الأمم والمواعظ والحكم، وأخبار الدار الآخرة، ومحاسن الآداب والشيم، قال الله جل اسمه: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] . وقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] ، وقال: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الزمر: 27] .