قال أبو بكر العربي: القرآن خرج عن أنواع كلام العرب، وخصوصا عن وزن الشعر؛ ولذلك قال أخو أبي ذر لأبي ذر:"لقد وضعتُ قوله على أقوال الشعراء فلم يكن عليها" (2) ، ولا دخل في بحور العروض الخمسة عشر، ولا في زيادات المتأخرين عليها؛ لأن تلك البحور تخرج من خمس دوائر: إحداها دائرة المختلف ينفك منها ثلاثة أبحر: وهي الطويل، والمديد، والبسيط؛ ثم تتشعب عليها زيادات كلها منفكة. الدائرة الثانية دائرة المؤتلف ينفك منها بحر الوافر، والكامل، ثم يزيد عليها زيادات لا تخرج عنها. . . وهكذا الدوائر الخمس ولقد اجتهد المجتهدون في أن يُجروا القرآن أو شيئا منه على وزن من هذه الأوزان فلم يقدروا، فظهر عند الولي والعدو أنه ليس بشعر.
يقول الطاهر بن عاشور: كيف يكون القرآن شعرًا والشعر كلام موزون مقفّى له معان مناسبة لأغراضه التي أكثرها هزل وفكاهة؟ فأين الوزن في القرآن، وأين التقفية، وأين المعاني التي ينتجها الشعراء، وأين نظم كلامهم من نظمه، وأساليبهم من أساليبه؟
وما بني عليه أسلوب القرآن من تساوي الفواصل لا يجعلها موازية للقوافي كما يعلمه أهلُ الصناعة منهم وكُلُّ مَنْ زَاولَ مَبَادِئَ القَافية مِنَ المولدين، ولا أحسبهم دَعوهُ شعرًا إلا تعجلًا في الإِبطال، أو تمويهًا على الإِغفال، فأشاعوا في العرب أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - شاعر، وأن كلامه شعر.
الثاني: إن الأشعار الشهيرة ومنها المعلقات - فخر العرب - تخلو من كل قيمة فكرية أو إنسانية أو روحية أو أمر أو نهي أو إرشادٍ إلى خير بخلاف القرآن العظيم، فالأوامر فيه تصل إلى الألف آية وكذلك النواهي، ويحض على فعل كل خير وينهى عن كل شرِّ، ويرشد ويهدي إلى كل صلاح ونفع في الدنيا والآخرة.
وقد ذكر أبو بكر الباقلاني فصلًا جيدًا عن الشعر الحسن الذي يحلو لفظه وتقل فوائده.
وقال الشافعي مرة بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم عنه في كتاب الله. فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .