وقد خلقها الله تعالى على هيئة الصلاح ، والإنسان هو الذي يُفسِدها ، بدليل أنك لا تجد الفساد إلا فيما للإنسان دَخْل فيه ، أما مَا لا تطوله يده ، فيظل على صلاحه ، وعلى استقامته وسلامته .
والإنسان الذي خلقه الله وجعله خليفة له في أرضه طُلب منه عمارة هذه الأرض وزيادة صلاحها ، تحقيقاً لقول ربه عَزَّ وجَلَّ: {هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا} [هود: 61] .
ولا يصلح أن نستعمر الأرض وهي خراب ، فإذا ما كَثُر النسل لا يقابل زيادة في استثمار الأرض ، فتحدث الأزمات ، ولو أن استثمار الأرض وإصلاحها سار مع زيادة النسل في خطين متوازيين لما شعر الناس بالحاجة والضيق ، ولما أحاطت بهم الأزمات .
والآن حين تسير في الطريق الصحراوي مثلاً تجد المزارع في الصحراء ، وتجد القرى الجديدة تحولت فيها الأرض الجرداء إلى خضرة ونماء ، فأين كانت هذه الثورة؟ لقد كنا كُسالى وفي غفلة حتى عَضَّنا الجوع ، وضاقت بنا الأرض الخضراء في الوادي والدلتا .
وإذا لم يُصلِح الإنسان في الأرض فلا أقلَّ من أنْ يتركها على حالها الذي خلقها الله عليه . لكن رأينا الإنسان يُفسد الماء ويُلوثه حين يصرف فيه مُخلَّفاته ويُفسد الهواء بعادم السيارات والمصانع ، ويُفسِد التربة بالكيماويات والمبيدات ، وكل هذا الإفساد خروج عن الطبيعة الصافية التي خلقها الله لنا ؛ ذلك لأننا نظرنا إلى النفع العاجل ، وأغفلنا الضرر الآجل .
لقد خلق الله لنا وسائل الركوب والانتقال ، وجعلها آمنة لا ضررَ منها: {والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] .
وقال: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس} [النحل: 7] نعم ، وسائل النقل الحديث أسرع ، وأراحتْ هذه المواشي ، لكنها أتعبتْ الإنسان الذي خلق الله الكون كله لراحته .