ولا يقتصر الأمر على هذه المسائل فحسب ، إنما هي نماذج للتعامل ، تستطيع القياس عليها في كل أمور الحياة فيما يُقَاس وفيما يُعَدُّ ، في الأعمال وفي الصناعات . . إلخ .
إذن: فاحذر أنْ تتلصَّص على حقوق الآخرين ، أو أن تبخسها ، بأيِّ نوع من أنواع التسلُّط: غَصْباً أو اختطافاً أو سرقةً أو اختلاساً أو رِشْوة . . إلخ .
وقلنا: إن السرقة أن تأخذ شيئاً من حِرْزه في غير وجود صاحبه ، والخطف يكون صاحب الشيء موجوداً ، لكنك تأخذه خَطْفاً وتفرّ به قبل أن يُمسك بك ، فإنْ أمسك بك فغالبْتَه وأخذتها رَغماً عنه فهي غَصْب ، أما الاختلاس فأنْ تأخذ من مالٍ أنت مؤتمَنٌ عليه ، مالا يحقَّ لك أخْذه .
فإذا علم كُلُّ متحرك في الحياة أن ثمرة حركته تعود عليه ، وعلم كل غير متحرك أنه يموت جوعاً إنْ لم يعمل وهو قادر دبَّتْ الحركة في كل الأحياء ، وهذا ما يريده الله تعالى لخليفته في الأرض خاصة ، وقد خلق لنا سبحانه العقل الذي نفكر به ، والطاقة التي نعمل بها ، والمادة التي نستعين بها ، فكلُّ ما علينا أن نُوظّف هذه الإمكانات التي خلقها الله توظيفاً مثمراً .
ثم إنْ كانت الزكاة كحقِّ معلومة محددة ، فهناك حَقٌّ آخر غير مُحَّدد ، في قوله سبحانه: {وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم} [الذاريات: 19] ولم يقل (معلوم) ؛ لأن المراد هنا الصدقة المطلقة ، وقد تركها الحق تبارك وتعالى ولم يُقيِّدها ليترك الباب مفتوحاً أمام أريحية المعطي ، ومدى كرمه وإحسانه ؛ لذلك جاءت هذه الآية في سياق الحديث عن صفات المحسنين:
{إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اليل مَا يَهْجَعُونَ * وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم} [الذاريات: 1519] .