وهو قوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ(69) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (70) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ(77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) [سورة الشعراء: 69 - 81] ثم قال رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) [سورة الشعراء: 83] ثم أردفه بقوله وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (91)
ثم قال (فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ(94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95)
إلى قوله (فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(102) .
فلينظر إلى هذا الكلام الذي يسكر العقول رحيقه، ويسحر الألباب تحقيقه، وهو غاية منية الراغب، ونهاية مقصد الطالب، فإنه متى أنعم النظر في مبانيه، وتدبر أسراره ومعانيه، علم قطعا أن فيه غنى عن تصفّح الكتب المؤلفة، وكفاية عن الدفاتر المؤتلفة، فيما يقصد من معرفة هذا الأسلوب من علوم البلاغة، وقد اشتمل على تخلّصات عشرة منتظمة نوضحها بمعونة الله تعالى.
التخلص الأول
هو أنه لما أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بتلاوة نبأ إبراهيم صلوات الله عليه، وما كان له مع أبيه وقومه من الخصومة والجدال في عبادة الأوثان والأصنام، صدر القصة بذلك شرحا لصدره وتسلية له فيما يلاقي من قريش، ثم خرج إلى شرح حال إبراهيم وما جرى له، فانظر إلى حسن ما رتّب إبرهيم كلامه مع أهل الشرك حين سألهم عما يعبدون سؤال مقرر، لا سؤال مستفهم، فأجابوه بما هم عليه من ذلك، وبالغوا في الجهل والإفراط في الغى، فقالوا: نعبد أصناما ولقد كان يكفيهم ذلك في الإجابة عما سألهم، لكنهم تعمقوا تهالكا في الإصرار وتماديا في نفارهم عما دعاهم إليه بقولهم (فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ(71) .
التخلص الثاني