[779] فإن قيل: كيف قال تعالى: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ) [الشعراء: 88] والمال الذي أنفق في طاعة الله تعالى وسبيله ينفع، والولد الصالح ينفع، والولد الذي مات صغيرا يشفع، وشواهد ذلك كثيرة من الكتاب والسنة خصوصا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا مات ابن آدم ينقطع عمله إلّا من ثلاث» الحديث؟
قلنا: المراد بالآية أنهما لا ينفعان غير المؤمن، فإنه هو الذي يأتي بقلب سليم من الكفر، أو المراد بهما مال لم ينفق في طاعة الله تعالى وولد بالغ غير صالح.
[780] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الشعراء: 90] أي قربت، والجنة لا تنقل من مكانها ولا تحول؟
قلنا: فيه قلب معناه: وأزلفت المتقون إلى الجنّة، كما يقول الحجاج إذا دنوا إلى مكة قربت مكة منا. وقيل معناه: أنها كانت محجوبة عنهم، فلما رفعت الحجب بينهم وبينها كان ذلك تقريبا لها.
[781] فإن قيل: كيف جمع الشافع ووحد الصديق في قوله: (فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) [الشعراء: 100، 101] .
قلنا: لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق، ولهذا روي أن بعض الحكماء سئل عن الصديق؟ فقال: (هو اسم لا معنى له، أراد بذلك عزة وجوده، ويجوز أن يراد بالصديق الجمع كالعدو.
[782] فإن قيل: كيف قرن بين الأنعام والبنين في قوله: (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ) [الشعراء: 133] ؟
قلنا: لأن الأنعام كانت من أعز أموالهم عندهم، وكان بنوهم هم الذين يعينونهم على حفظها والقيام عليها، فلهذا قرن بينهما.
[783] فإن قيل: قوله تعالى: (أَوَعَظْتَ أو لم تعظ) أخصر من قوله: (أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ) [الشعراء: 136] فكيف عدل عنه؟
قلنا: مرادهم سواء علينا أفعلت هذا الفعل أم لم تكن من أهله أصلا، وهذا أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولهم أو لم تعظ.
[784] فإن قيل: قوله تعالى: (فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ) [الشعراء: 157، 158] كيف أخذهم العذاب بعد ما ندموا على جنايتهم، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «الندم توبة» ؟
قلنا: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ندموا حين رأوا العذاب، وذلك ليس وقت التوبة كما قال الله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) [النساء: 18] الآية. وقيل: كان ندمهم ندم خوف من العذاب العاجل لا ندم توبة فلذلك لم ينفعهم.