[774] فإن قيل: قصة موسى عليه السلام مع فرعون والسحرة ذكرت في سورة الأعراف ثم في سورة طه ثم في هذه السورة، فما فائدة تكرارها وتكرار غيرها من القصص؟
قلنا: فائدته تأكيد التّحدي وإظهار الإعجاز، كما أن المبارز إذا خرج من الصف قال: ( «نزال نزال هل من مبارز هل من مبارز» مكررا ذلك، يقال: (ولهذا سمى الله تعالى القرآن مثاني؛ لأنه ثنيت فيه الأخبار والقصص.
الثاني: أن أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم كان بعضهم حاضرين وبعضهم غائبين في الغزوات، وكانوا يحبون حضور مهبط الوحي، وكانوا إذا رجعوا من غزوهم أكرمهم الله تعالى في بعض الأوقات بإعادة الوحي تشريفا لهم وتفصيلا.
[775] فإن قيل: كيف كرر الله تعالى ذكر قصة موسى عليه السلام أكثر من قصص غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟
قلنا: لأن أحواله كانت أشبه بأحوال النبي صلّى الله عليه وسلّم من أحوال غيره منهم في إقامته الحجج وإظهاره المعجزات لأهل مصر وإصرارهم على تكذيبه والجفاء عليه كما كان حال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع أهل مكّة.
[776] فإن قيل: كيف قال تعالى: (فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ) [الشعراء: 61] والترائي تفاعل من الرؤية، فيقتضي وجود رؤية كل جمع الجمع الآخر والمنقول أنهم لم ير بعضهم بعضا، فإن الله تعالى أرسل غيما أبيض فحال بين العسكرين حتى منع رؤية بعضهم بعضا؟
قلنا: الترائي يستعمل بمعنى التداني والتقابل أيضا، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمن والكافر لا يتراءيان» ، أي لا يتدانيان، ويقال: (دورنا تتراءى، أي تتقارب وتتقابل.
[777] فإن قيل: كيف قال: (وَإِذا مَرِضْتُ) [الشعراء: 80] ولم يقل وإذا أمرضني، كما قال، قبله: (خلقني ويهدين) ؟
قلنا: لأنه كان في معرض الثناء على الله تعالى وتعديد نعمه، فأضاف إليه الخير المحض حفظا للأدب، وإن كان الكل مضافا إليه، ونظيره قول الخضر عليه السلام فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها) [الكهف: 79] وقوله: (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما) [الكهف: 82] .
[778] فإن قيل: هذا الجواب يبطل بقوله: (وَالَّذِي يُمِيتُنِي) [الشعراء: 81] وبقول الخضر فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما) [الكهف: 81] .
قلنا: إنما أضاف الموت إلى الله تعالى؛ لأنه سبب لقائه إياه وانتقاله إلى دار كرامته، فكان نعمة من هذا الوجه. وقيل: إنما أضاف المرض إلى نفسه؛ لأن أكثر الأمراض تحدث بتفريط الإنسان في مطاعمه ومشاربه.