الثاني: أن «ما» لا تختص بغير المميّز؛ بل تطلق عليهما، قال الله تعالى: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) [النساء: 3] وقال الله تعالى: (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) [الكافرون: 109] .
[770] فإن قيل: كيف قال موسى عليه السلام: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) [الشعراء: 24] علق كونه تعالى رب السماوات والأرض وما بينهما بشرط كون فرعون وقومه موقنين، وهذا الشرط منتف والربوبية ثابتة فكيف صح التعليق؟
قلنا: معناه إن كنتم موقنين أن السماوات والأرض وما بينهما موجودات وهذا الشرط موجود.
الثاني: أن «إن» نافية لا شرطية.
[771] فإن قيل: كيف ذكر السماوات والأرض وما بينهما قد استوعب ذكر المخلوقات كلها فما فائدة قوله تعالى بعد ذلك رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) [الشعراء: 26] وقوله: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) [الشعراء: 28] .
قلنا: أعاد ذكرها تخصيصا لها وتمييزا، لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد وعاين من الدلائل على الصانع والنقل من هيئة إلى هيئة وحال إلى حال من وقت ولادته إلى وقت وفاته، ثم خص المشرق والمغرب؛ لأن طلوع الشمس من أحدهما وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستو
من أظهر ما يستدل به على وجود الصانع، ولظهوره انتقل خليل الله صلوات الله عليه وسلامه إلى الاحتجاج به عن الاحتجاج بالإحياء والإماتة فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) [البقرة: 258] .
[772] فإن قيل: كيف قال أولا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) [الشعراء: 24] وقال آخرا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) [الشعراء: 28] .
قلنا: لاينهم ولاطفهم أوّلا، فلمّا رأى عنادهم وإصرارهم خاشنهم وعارض قوله: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) [الشعراء: 72] بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ.
[773] فإن قيل: قوله: (لأسجننك أخصر من قوله:(لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) [الشعراء: 29] فكيف عدل عنه؟
قلنا: كان مراده تعريف العهد، فكأنه قال لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجني، وكان إذا سجن إنسانا طرحه في هوة عميقة جدا مظلمة وحده لا يبصر فيها ولا يسمع، فكان ذلك أوجع من القتل وأشد نكاية.