ومن ذلك قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ . .} [التحريم: 1] ويقول سبحانه: {عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ . .} [التوبة: 43] .
وكان بوسع رسول الله أن يكتم هذه الآيات التي تعاتبه وتُعَدُّ مأخذاً عليه ، لكنه صلى الله عليه وسلم كان أميناً يقول ما له وما عليه ، لذلك يقول عن ربه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل * لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين} [الحاقة: 44 - 46] .
ثم يقول تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71] و (بل) تفيد الإضراب عن الكلام السابق ، وإثبات كلام جديد بعدها ، والذكْر هنا يعني: الشرف والصِّيت والمكانة العالية ، كما جاء في قوله تعالى عن القرآن: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ . .} [الزخرف: 44] .
وقوله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10] فكان يجب عليهم أن يحتضنوا هذا القرآن ، ويرفعوه فوق رؤوسهم ، ففيه مجدهم وشرفهم وعِزَّتهم ، والعرب بدون القرآن لا ذِكْرَ لهم ، فقد كانوا أمة أمية تعيش على الترحال والتنقل ، ولا تستقر إلا على منابع الماء ومواضع الكلأ ، كانوا بَدْواً تنتشر فيما بينهم الحروب والغارات وقَطْع الطريق ، كان الواحد منهم يسرق ليُكرم ضيفه بما سرق .
وهذه من الأمور العجيبة في عادات العرب في الجاهلية ، فلم يكن لديهم منهج يحكم حياتهم ، عجيب أنْ ترى حب الغارة والاعتداء مع الشهامة والكرام في طبيعة واحدة ، فهو يفعل ما يعِنُّ له ، وما يخطر بباله ، فالمسألة ليست محكومة عندهم بقانون ، حتى قال فيهم الشاعر:
لا تمدحَنَّ ابْنَ عبَّادٍ وإنْ هطلَتْ ... كَفَّاهُ بالجُود حتَّى أشبَه الدِّيَمَا