ونقول: ألم يكُنْ من أمنيات هؤلاء: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً . .} [الإسراء: 90 - 92] .
إذن: من أهوائهم أنْ تتهدّم السماء ، ولو حتى على رؤوسهم ، وأي فساد بعد هذا ، وهكذا لو اتبعتَ أهواءهم لفسدَتْ السماوات والأرض ، ليس هذا وفقط بل {وَمَن فِيهِنَّ . .} [المؤمنون: 71] حيث سيتعدّى فسادهم ليشمل كل ما في الوجود .
لذلك يقيد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأهواء في قوله:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به"لأنه صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى} [النجم: 3 - 4] .
وقد توقف بعض المستشرقين مُعترِضاً على هذه الآية {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى} [النجم: 3] يقولون: يعني كلامه كله صحيح ، فلماذا يُعدِّل له ربه بعض الأحكام؟ ومعنى ذلك أن الحكم المعدّل حين نطق به كان ينطق عن هوى .
ولو فهم هؤلاء معنى الهوى ما كان منهم هذا الاعتراض ، فالهوَى أن تعرف الحق ، لكن هواك يصرفك عنه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ يعرف في هذه المسائل حُكْماً وانصرف عنه ، إنما نطق وحكم على مقتضى ما فهم في أمر لم ينزل فيه من الله شيء ، ثم نزل الحكم من الله ليُعدِّل اجتهاد رسوله .
إذن: لم يكُنْ لرسول الله هَوَىً ينطق بمقتضاه ، وفي تعديل الحق سبحانه لرسوله ، وتبليغ الرسول لأمته بهذا التعديل أكبر دليل على صِدْقه صلى الله عليه وسلم وأمانته في البلاغ عن ربه ، وإلاَّ فلم يكُنْ أحد ليعلم هذا التعديل ، لو أخفاه رسول الله تعصّباً لنفسه ، أو لدفْع الخطأ عنه .