ويقول تعالى بعدها: {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [المؤمنون: 70] وطبيعي أن يكره أهل الباطل الذين استشرى ظلمهم وطغيانهم ، يكرهون الحق الذي جاء ليعدل الميزان ، ويُقوِّم المعْوج في حركة الحياة ، وكراهية أهل الباطل لرسول الله كان ينبغي أن تكون معيار تصديق له لا تكذيب به ، ينبغي أن نقول: طالما أن أهل الباطل يكرهون هذا فلا بُدَّ أنه الحق وإلاّ ما كرهوه .
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)
إذن: فالمسائل لا تسير على هَوَى المخلوق ، إنما على مرادات الخالق ؛ لأن الخالق سبحانه هو صانع هذا الكون ، وكلُّ صانع يغَارُ على صَنْعته ، وهذا مُشَاهد حتى في صنعة البشر ، ولك أنْ تتصوّر ماذا يحدث لو أفسدتَ على صانعٍ ما صنعَه .
وعدالة الأشياء أن تسير على وَفْق مرادات الصانع ، لا هوى المصنوع ؛ لأن الأهواء تملكها الأغيار ، فالإنسان لو سار في حركة حياته على وَفْق هواه لأخذ مَا ليس له ، ولَقبل الرشوة ، ومال إلى الفِسْق والانحراف ؛ لأنه في الظاهر يرى أنه منتفع بهذا ولا ينظر العاقبة والمحصلة النهائية ، لقد نظر إلى متعة زائلة موقوته ، ونسي تبعة ثقيلة لن يقدر عليها فيما بعد .
لذلك يقول الحق سبحانه: {وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ . .} [المؤمنون: 71] ولك أن تقول: نعم ، اتباع الأهواء يُفسِد الأرض ، ويُفسِد حركة الحياة فيها ، لكن كيف يُفسِد السماء؟ وهل لأحد قدرة عليها؟