ومع ذلك يظل رسول الله صلى الله عليه وسلم خائفاً قلقاً أن يكون هذا شيئاَ من الشيطان ، فتُطمئِنه السيدة خديجة ، فهذا لا يعقل مع رسول الله ، لذلك تقول له:"إنك لتصلُ الرحم ، وتُكسِب المعدوم ، وتحمل الكَلَّ ، وتعين على نوائب الدهر ، والله لن يخذلك الله أبداً".
ومن هنا أعتبروا السيدة خديجة أول مجتهدة في الإسلام ؛ لأنها اجتهدتْ واستنبطتْ من مقدمات رسول الله قبل البعثة دليلاً على صِدْقه بعد البعثة ؛ لذلك كانت أول مَنْ سُمِّيت بأم المؤمنين ، حتى قال بعض العارفين: خديجة أم المؤمنين بما فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه في هذه السِّن كان في حاجة إلى أم أكثر من حاجته إلى عروس صغيرة تُدلِّله ، وقد قامت خديجة - رضي الله عنها - فعلاً بدور الأم لرسول الله فاحتضنته ، وطمأنته ووقفت إلى جواره في أشدِّ الأوقات وأحرجها .
كما نلحظ في الآية: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ . .} [المؤمنون: 69] فأضاف الرسول إليهم يعني: رسول لهم ، أما في الإضافة إلى الله تعالى: رسول الله ، فالمعنى رسول منه ، وهكذا يختلف المعنى باختلاف الإضافة .
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)
والمسألة الرابعة في توبيخ الله لهم: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ . .} [المؤمنون: 70] يعني: جنون ، والجنون أنْ تتعطل الآلة العقلية التي تزن الحركات على وفق النفع والضر ، فتفعل الخير النافع ، وتترك الشر الضارّ . ولننظر: أيّ خصلة من خصال الجنون في محمد صلى الله عليه وسلم .
ودَعْكَ من قضية الدين والإله إنما خُذْ خُلقه ، والخلُق أمر يتفق عليه الجميع ويحمدونه ، حتى وإنْ كانوا ضد صفته ، فالكذاب يحب الصادق ، ويعترف أن الصدق شرف وكرامة ، والبخيل يحب الكريم ، والغضوب يحب الحليم ، أَلاَ ترى الكاذب يزاول كذبه على الناس ، لكن لا يحب مَنْ يكذب عليه؟